شهد المجتمع المصري، خلال الأشهر الماضية، أساليب عقابية جديدة، تعتمد على التنكيل والإهانة، لمن يراد معاقبته، منها تجريده من ملابسه وإجباره على ارتداء قميص نوم نسائي، أو إجباره على ركوب حمار بـ "المقلوب" والطواف به في الشوارع، أو تجريده من ملابسه والتبوّل عليه، أو ربطه بعمود الإنارة، أو الذبح من الرقبة.
وأجبرت عائلة من قرية الخواجات التابعة لمدينة يوسف الصديق في محافظة الفيوم، زوج كريمتهم، من قرية شعلان، على ارتداء ملابس زوجته، عقابًا له على التشهير بها على صفحات فيسبوك ونشر صور خاصة لها، وقاموا بالطواف به في القرية، ردًا على طلبها الطلاق منه.
وبعد الواقعة الأولى بحوالي ثلاثة أشهر، انتقمت عائلة الزوج، من عائلة "أبو شناف السالمونى"، في قرية شعلان، واستدرجت شيخ البلد في قرية الخواجات، "ج. اللاهوني"، أحد أقارب الزوجة، وأجبروه على ارتداء قميص نوم أحمر، ردًا على الواقعة الأولى.
وشهدت قرية العصارة التابعة لمركز الفتح في محافظة أسيوط، قيام عدد من شباب القرية بتجريد سائق "توك توك" من ملابسه وربطه في شجرة، والاعتداء عليه بالضرب المبرح والسب والشتائم، إضافة إلى التبول عليه.
وفي محافظة دمياط، أوقف أهالي قرية تل الكاشف التابعة لمدينة الزرقا "لص فراخ وبط"، أثناء تسلقه أسطح منزل أحد أهالي القرية، وقيدوه بالحبال، ثم أركبوه بالمقلوب على ظهر حمارًا، وطفوا به شوارع القرية. وفي طنطا، قيد صاحب محل بيع مواد غذائية في منطقة العجيزي في حي أول، وعدد من الأهالي، لصًا بعمود الإنارة عقب التعرف عليه من خلال كاميرات المراقبة في المحل.
وأوضحت أستاذ علم الاجتماع في كلية الآداب في جامعة عين شمس الدكتور شادية قناوي، أن الدراما المصرية، ساهمت إلى حد كبير في ذلك، إلا أن هناك نقطة مهمة، وهي ضرورة أن يضمن المجتمع حصول الشخص على حقوقه، فعندما لا يحق المجتمع حقوق الإنسان، فإن الأخير يسعى إلى أخذ حقه بيده بأي طريقة كانت، ومن ثم لابد أن يتحول الإنسان في كثير من الأحيان إلى ممارسة سلوك العنف في أخذ حقه، بدءًا من سلوك قيادة السيارة فليس هناك أي قواعد مرور تورث في مصر إطلاقًا، ومن ثم كل شخص يأخذ حقه بيده.
وأضافت "ما دامت الدولة لا تضمن حقوق المواطن، فهو يلجأ إلى الحصول على حقه بيده". علاوة على الطبيعة الإنسانية التي نقول عليها طبيعة شريرة في الأصل، فالأديان السماوية والقوانين الوضعية، جاءت لتقنين سلوك الأفراد في المجتمع، مؤكدة ضرورة وجود تطبيق عادل للقانون.
وأكد أستاذ الطب النفسي في جامعة الأزهر هشام البحري، أن الأساليب التي استخدمها الأهالي كانت تستخدم قديمًا أيام حكم المماليك لمصر، مضيفًا إلى أن المجتمع المصري شهد حالات خلع لملابس في الشارع مرات عدة من باب التنكيل بالضحية. وأرجع البحيري سبب انتشار العنف في المجتمع المصري إلى استخدام الأهالي للعقاب الفردي بدلًا من القانون، لأن الشرطة ستسجن المتهم دون أن يراه الآخرون، ولكنهم يريدون "فضحه" في العلن، بتطبيق شعار "من يريد الحق يأخذه بالقوة، وأفضل طريق للحق هو القوة "، وهنا يرون الحق من منظورهم فقط.
وأكد أن المسلسلات المصرية ساعدت في انتشار تلك الظواهر السلبية، إذ يأخذ الناس منها "قدوة"، وخير دليل على ذلك مسلسل "الأسطورة"، الذي عرض تنكيل البطل رمضان بأخر عبر "إجباره على ارتداء قميص نوم في الحارة"، فتأثر الأهالي بذلك وطبقوا المشهد نفسه على أرض الواقع.
وكشفت أستاذ علم النفس، ورئيس شعبة بحوث الجريمة والسياسة في المركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية سميحة نصر، أنه هناك ثلاثة أسباب جديدة لانتشار العنف من خلال التنكيل والإهانة، وهي الخلل في النسق القيمي لدى المجتمع، والضغوط الحياتية والنفسية، والرغبة في تأكيد الذات. وأضافت أن المواطن عندما يضيق به الحال، يريد أن يخرج ما بداخله ضد الآخرين، بدوافع فرض السيطرة، مثل تلبيس شخص لآخر قميص نوم نسائي، لإيصال رسالة لكل أفراد القرية بأن من يفتح فمه، فهكذا سيكون مصيره.
وقال مساعد وزير الداخلية الأسبق اللواء مجدي البسيوني، إن ليست هناك أساليب عقابية أكثر من الذبح، وهي منتشرة الآن بكثرة فنجد مواطن يذبح زوجته، وأخر يذبح جاره، مشيرًا إلى أن المجتمع المصري يفهم الحرية بالخطأ، فظاهرة العنف انتشرت واتخذت من ثورة يناير، وثورة 30 يونيو سقف مرفوع من اللاأخلاقية، وهذا ما نجده في الشارع حتي في قيادة السيارات، فأصبح سلوك المواطن، يتسم بالعنف ويرتكب أبشع الجرائم مثل الذبح.
وبيّن أنه بعد ارتفاع سقف الحريات، أصبح المواطن لا يخاف من القانون، لأن القانون لا يطبق إلا إذا وجد الدليل الإدانة، كما أن الأمن في هذه الفترة مشغول جنائيًا وسياسيًا، وبعد ثورة 25 يناير/كانون الثاني، والاعتداء على الشرطة، أصبح المواطن لا يخشى رجل الشرطة ولا يحترم القانون، وأن هناك أفلام ومسلسلات هابطة ساعد على انتشار تلك الأساليب، وفضلًا عن تراجع دور المدرسة في تعليم النشأ، فأصبح الطالب منفلاتًا ويعتدي على مدرسة وعلى والديه ، فضلًا عن تراجع دور الأسرة عن مراقبة الأولاد.
وأشار مساعد وزير الداخلية الأسبق إلى أن دوافع ارتكاب هذه الجرائم، تكون بسبب عدم قدرة حصول المواطن على حقه، أو أن جريمة مشابهة، ارتكبت من قبل فاردا المجني عليه أخذ حقه بنفس الصورة.
وطالب البسيوني، بضرورة فضح من يرتكبون مثل هذه الجرائم، بأن يسلط الإعلام الضوء عليهم، وأن تكون محاكمتهم سريعة جدًا وعلانية تتم خلال شهور، ويتم وضعهم في سجون خاصة واقترح البسيوني، عودة لجان المصالحات مرة أخرى، وأنها تساعد في إنهاء الخلافات من جذورها.
أرسل تعليقك