القاهرة - محمود حساني
ابتلي المجتمع المصري ، خلال السنوات الخمسة الأخيرة ، بالعديد من الظواهر السلبية التي لم يكن لها وجود من قبل ، ولكنها وجدت المناخ الملائم لها في ظل الانفلات الأمني والأخلاقي الذي ضّرب المجتمع عقب ثورة الخامس والعشرين من كانون الثاني/ يناير 2011، ولعل من أبرز هذه الظواهر، ظاهرة "انتحال شخصية طبيب"، فالمُتابع جيداً لصفحات الحوادث في الصُحف اليومية ، سيُصاب بالدهشة والألم ، عندما يلقي نظرة على حوادث انتحال أشخاص لصفة "طبيب"، والأدهى من ذلك أنهم يقومون بالكشف على المرضى، ويصّفون الدواء لهم، ويتحصلون منهم على آلاف الجنيهات، وتكون النتيجة المؤلمة في النهاية ، وفاة المريض نتيجة تناوله عقاقير خاطئة .
والمُحزن في هذا الأمر، أن بعض الأشخاص الذين انتحلوا شخصية" أطباء" ، وتم توقيفهم أخيراً من جانب المعنيين، قد زاول بعضهم المهنة داخل المستشفيات الحكومية التي يُفترض أنها تابعة إلى وزارة الصحة المصرية ، دون أي رقابة من الجهات المختصة، ومن أبرز الوقائع التي تم كشفها أخيراً ، من جانب الأجهزة المعنية ، انتحال "محام " ، لصفة " طبيب" وإنشاء عيادة طبية دون ترخيص وتسببه في وفاة " طفلة"، وتلقى قسم شرطة الزيتون، بلاغاً من أسرة الطفلة "ريتاج" رضيعة تبلغ من العمر شهرين، أفادت بأنها فوجئت بالطفلة تمرض فتوجهوا بها إلى مستشفى في الزيتون، واستقبلهم طبيب يدعى "محمد"، وأبلغهم بضرورة حجز الطفلة داخل المستشفى، ورفض أن ترافقها والدتها، وكانوا على اتصال به للاطمئنان عليها، وفي صباح اليوم التالي فوجئوا بالطفلة جثة هامدة ترقد على السرير، والمتهم الذي انتحل صفة الطبيب أبلغهم بوفاتها، وبعرض التحاليل والأدوية على طبيب في مستشفى آخر، أكد لهم أنها كانت تعالج بأدوية خاطئة، وأنها توفيت نتيجة الإهمال، ليكتشفوا أن الطبيب المسؤول عن علاجها هو "محمد عيد" محامٍ، وانتحل صفة طبيب، وتم توقيفه من جانب الأجهزة الأمنية ، وإحالته إلى النيابة التي قررت حبسه.
واعترف المتهم أمام النيابة بأنه استقبل الطفلة، وأعطاها عقاقير بناء على موافقة صاحب المركز الدكتور "عمرو" بعدما أخبره تليفونياً باستقبالها وإيداعها في "الحضانة"، وطلب من والدها 2000 جنيه، وكان الممرضون يشرفون على علاج الطفلة إلى أن ساءت حالتها وأبلغوه بوفاتها، وتمكنت الأجهزة المعنية ، في محافظة المنيا- في 22 أيلول/ يوليو الماضي- من توقيف " عامل" انتحل صفة " طبيب " وزاول المهنة في عيادة تابعة لمفتش وزارة الصحة ، وتبيّن من التحريات أنه حرّر شهادات صحية وقام ببيعها إلى المواطنين بمقابل مادي ليسهل لهم استخراج تراخيص قيادة السيارات وتراخيص السلاح، كما تم توقيف " عاطل" ، انتحل صفة " طبيب" وأدعى أنه يعمل في مستشفى الدمرداش في محافظة الجيزة ، وأجرى فحوصات طبية على العشرات منهم وتحّصل منهم على آلاف الجنيهات حتى تم توقيفه أخيراً من جانب الأجهزة المعنية، ووفقاً لأحكام قانون مزاولة مهنة الطب الصادر عام 1954 ، نص على أن تكون عقوبة انتحال صفة " الطبيب" 200 جنيه فقط أو الحبس 6 أشهر فقط ، وهو ما يرى معه المعنيين بالشأن المصري ، لا يحقق الردع المطلوب لمواجهة هذه الظاهرة الخطيرة ، التي تُخلف ورائها وفاة العشرات من المرضى ، الذين وقعوا ضحية شخص انتحل لصفة " طبيب" .
وأكّد خبراء القانون أنه حان الآن أن يتم تعديل قانون مزاولة مهنة الطب وقانون العقوبات المصري ، فيما يتعلق بانتحال الشخصيات بعد أن زادت حدتها خلال الفترة الأخيرة ، وتجاوزت حدود " الظاهرة " ، وأصبحت أمر واقع ، فنجد عاطلاً ينتحل صفة " محام " ، وآخر ينتحل صفة " ضابط شرطة " ، وثالث ينتحل صفة " مسؤول حكومي " ، ورابع ينتحل صفة " طبيب" ، وهي الأخطر ، لما ينجم عنها في أغلب الحالات ، وفاة المرضى الذي يقعون ضحيةً لهذا الشخص المُنتحل، مطالبين بتعديل العقوبة المُقررة ، على أن يتم اعتبار جريمة انتحال شخصية " طبيب" ، جناية وليست جُنحة كما هو السائد في ظل القانون الحالي ، وبالتالي يتم تعديل العقوبة من الحبس 6 أشهر إلى السجن المؤبد ، وأن تصل إلى حد " الإعدام" ، إذا نجم عن انتحال الشخص لصفة " طبيب" ، وفاة المريض .


أرسل تعليقك