تعد "الدكتوراه" أعلى الشهادات العلمية التي يحصل عليها الفرد بعد دراسة وجهد وبحث ومثابرة، ويتوقع بعد حصولهم عليها أن يقدموا لمجتمعاتهم أرقى الإسهامات في المجالات التي يدرسونها.
لكن هذا الحلم الذي يراود الكثير لاسيما في المجتماعات العربية، ومن لا يمتلكون قدرات فائقة في الدراسة والبحث يلجؤون إلى أساليب احتيالية كشراء درجة الدكتوراه، بعد أن تكاثرت مراكز بيعها خلال السنوات الأخيرة، وأصبح الحصول عليها بعد أن كان يستغرق سنوات من الدراسة والبحث، لا يستغرق سوى ساعات وأنت جالس أمام الحاسب الآلي، وبمبلغ لا يزيد على 650 دولارًا، تستطيع الحصول على شهادة ماجستير أو دكتوراه من جامعة عالمية وهمية.
وما عليك إلا مراسلة الجامعة عبر البريد الإلكتروني وتتبع خطوات الحصول على الشهادة، ثم دفع الرسوم المطلوبة عبر بطاقة الائتمان، وكل ذلك بالطبع في ظل غياب أي دور رقابي حكومي، وضعف العقوبات اللازمة لردع أمثال هؤلاء المزورين.
"مصر اليوم" ترصد ظاهرة الحصول على شهادات الدكتوراه المزيفة، وتستعرض أبرز الشخصيات ممن ثبت في حقهم أحكام قضائية بحصولهم على هذه الشهادات، وتتناول مع الخبراء سبُل حل هذه الظاهرة.
في البداية، السبب الذي دفعنا إلى إجراء هذا التحقيق هو قرار النائب العام المستشار نبيل صادق، بوضع السياسي والبرلماني السابق المثير للجدل "توفيق عكاشة" على قوائم "الممنوعين من السفر"؛ لاتهامه بتزوير شهادة الدكتوراه، فقد زعم حصوله على درجة الدكتوراه في إدارة المؤسسات الإعلامية من جامعة ليكوود الأميركية، وبالبحث في مجال الجامعات المقيدة أو الموجودة في الولايات المتحدة الأميركية أو خارجها اتضح عدم وجود جامعة بهذا الاسم، وتبين حصوله على مؤهل فوق متوسط بتقدير مقبول من المعهد العالي للخدمة من جامعة كفر الشيخ.
ليس البرلماني السابق "عكاشة" أول الشخصيات السياسية التي يوجه لها اتهامًا بتزوير الدكتوراه الخاصة به، سبقه السياسي ورئيس حزب غد الثورة أيمن نور؛ فقد ثبت زيف حصوله على درجة الدكتوراه في القانون من أوكرانيا، وتبين حصوله على ليسانس الحقوق من جامعة طنطا فقط.
ولم يقتصر الادعاء على حصول درجة الدكتوراه المزيفة على رجال السياسية فقط، وإنما امتد ليشمل شخصيات عامة بارزة ذات وجه مألوف على وسائل الإعلام، مثل الطبيب المزيف أحمد عبد الجواد، الذي ادعى حصوله على درجة الدكتوراه في العلوم الطبية من أرقى الجامعات العالمية، وانتهى المطاف به إلى السجن 10 سنوات.
كذالك مستشار وزارة الشباب والرياضة " م.ع" الذي أوقفته مباحث الأموال العامة منذ 3 أشهر؛ لاتهامه بتزوير شهادات دكتوراه منسوبة لجامعات مرموقة، غير أن الفاجعة الكبرى أن هذا المزور تعاقدت معه مؤسسات حكومية وتربوية.
ورجل الأعمال والمنسق السابق لمجلس العلاقات المصرية الأميركية في غرفة التجارة الدولية في القاهرة، محمد حمزة الحسيني، الذي أوقفته مباحث الأموال العامة بتهمة التزوير في 11 شهادة دكتوراه زعم أنه حصل عليها. وكشفت التحقيقات أن المتهم استخرج وزور 11 شهادة دكتوراه من جامعات مختلفة من أميركا وبريطانيا، وأنشأ مراكز اقتصادية وهمية ومركزا تحت مسمى "المركز الاتحادي للإعلام"، وادعى توليه عدة مناصب أبرزها "مدير اللجنة الاقتصادية التابعة لجمعيات الأمم المتحدة في الشرق الأوسط" و"رئيس أصدقاء الجمعية العامة للأمم المتحدة في الشرق الأوسط والخليج والولايات المتحدة وجنوب أوروبا وشمال أفريقيا"، كما تولى منصب "الممثل الرسمي لأصدقاء الجمعية العامة للأمم المتحدة في قطر" و"خبير إداري".
وأكدت التحقيقات أن المتهم زعم حصوله على لقب سفير لدى الأمم المتحدة، بالإضافة إلى توليه الرئيس التنفيذي بمؤسسة "كونكورد للإعلام" بالمملكة المتحدة وعضو "مجلس حقوق الإنسان" الداخلي والدولي ومناصب قيادية مختلفة وحساسة، مشيرة إلى أنه حكم عليه في الإمارات بالسجن 5 سنوات في قضية نصب في أبوظبي.
ومنذ 3 أشهر أحالت النيابة الإدارية مديرة المكتب الفني لرئيس القطاع الفني في الهيئة المصرية للتنشيط السياحي التابعة لوزارة السياحة للمحاكمة العاجلة؛ لتورطها في تزوير شهادة تثبت حصولها على درجة الدكتوراه في التجارة الدولية، على خلاف الحقيقة، انتهت بسجنها 5 سنوات.
بدوره يُرجع أستاذ علم الاجتماع في الجامعة الأميركية في القاهرة الدكتور صفوت عبد الرازق، أسباب تفاقهم هذه الظاهرة خلال السنوات الأخيرة إلى أسباب عدة، اقتصادي واجتماعي، ونفسي، فالدرجة الوهمية تحسن من فرص الشخص في الحصول على وظيفة أعلى أو الترقي في العمل والصعود إلى مراكز رفيعة، أو ربما يسعى الشخص وراء مكانة اجتماعية.
ويؤكد استاذ علم الاجتماع لـ"مصر اليوم" أن هناك مراكز متخصصة في بيع مثل هذه الشهادات في العالم العربي يطلق عليها مصطلح " Degree Mills"، تبيعها مقابل مبالغ مالية مرتفعة لشخصيات سياسية واقتصادية وعامة، وأحيانًا لشخصيات مغمورة تسعى للحصول على فرصة عمل أو تحسين وضعها الاجتماعي.
ويقدر الدكتور صفوت عدد الشهادات المزورة في العالم العربي بأكثر من 30 ألف تباع سنويا في العالم العربي، في الوقت الذي يبلغ فيه نحو 10 آلاف دارس يحصلون على الدكتوراه بصورة قانونية سنويا.
تتفق معه أستاذة علم النفس في جامعة عين شمس الدكتورة ميرفت عبد العال، أن هناك أسبابا اجتماعية ونفسية في المقام الأول لتفاقم هذه الظاهرة، مضيفة أنه من السهل كشف هؤلاء المزورين من خلال أحاديثهم كما هو الحال مع البرلماني السابق توفيق عكاشة، فمن الواضح من خلال لقاءاته التلفزيونية أنه لا يمتلك أي ثقافة أو معرفة.
وتشير أستاذة علم النفس لـ"مصر اليوم" إلى أن المجتمع يدفع ضريبة هؤلاء حينما يستخدم خدمات هذا المزور، لا سيما إذا تولى منصاب قيادية في وظائف حساسة مثل المهندس الذي يشترك في عمل إنشاءات هندسية مهمة، أو الطبيب الذي يقدم خدمات الرعاية الصحية لمرضى لسوء حظهم أنهم لا يدركون أنه طبيب مزيف لا يملك المؤهلات اللازمة لتطبيبهم.
ويرى رئيس محكمة الجنايات السابق المستشار الدكتور جمال عبدالعزيز، أنه يجب على مجلس النواب فتح هذا الأمر بعد تزايد ظاهرة الحصول على شهادات دكتوراه مزيفة، ووصل الأمر إلى لجوء شخصيات سياسية وعامة ورجال أعمال يدعون حصولهم على شهادات دكتوراه من جامعات عالمية، ولا بد من إجراء تحقيق واسع في هذا الأمر وتغليظ العقوبات على مرتكبي مثل هذه الجرائم حنى نحفظ للشهادات العلمية سمعتها.
ويضيف رئيس محكمة الجنايات السابق لـ"مصر اليوم ، أن هناك المئات ممن يمتهنون مهنة الطب والهندسة، ولم يكملوا تعليمهم بعد، ولم يحصلوا على الشهادات المناسبة، مشددًا على أنه إذا أجري تحقيق حول هذا الأمر سنتفاجئ بأن هناك شخصيات سياسية وعامة ورجال أعمال وربما وزراء حصلوا على شهادات دكتوراه مزيفة.
أرسل تعليقك