القاهرة - جمال علم الدين
العادات والتقاليد جزء أساسي من نسيج المجتمع المصري، الذي يحتفل بكل مناسبة دينية أو اجتماعية على طريقته الخاصة، يأتي عيد الأضحى ليفرض عاداته ومأكولاته على الجميع, ويختلف عيد الأضحى المبارك عن الأعياد الأخرى، فأهم طقوسه الموائد العامرة بألوان وأصناف لا حصر لها، وإذا كانت اللحوم هي الطبق الرئيسي، فهناك مأكولات أخرى لا تقل أهمية، وأبرزها الفتة, وتعتبر إحدى الأكلات الموروثة والأساسية على مائدة البيوت المصرية في العيد وهي الراعي الرسمي لهذا اليوم، وبالرغم من أن هناك العديد من أنواع من الفتة تبعا لطريقة إعدادها في البلدان العربية المختلفة، لكن يظل أشهرها الفتة المصرية وتتبعها الفتة السورية، وبالرغم تنوع الطرق في تقديمها تظل الفتة بالخل والثوم هي الطبق الأساسي بالنسبة للمصريين.
وسميت الفتة بهذا الاسم نظرًا لأنها تتكون من فتات الخبز، بالإضافة إلى المكونات الأخرى من اللحم والمرقة والأرز، وهي عادة صحية إذا تم تناولها بنسب معقولة، حيث إن تناول اللحوم مع الأرز مهم جدا لكى يستفيد الجسم من البروتين الحيواني للقيام بالوظائف الحيوية بدلا من استهلاكه كطاقة للجسم، في حين يستهلك الجسم الطاقة من المواد النشوية من الأرز وتحتوي المواد النشوية على إنزيم الاميليز الهاضم للحوم.
ويحرص معظم المصريين على تناول كبد الخروف في إفطار أول أيام العيد، وكذلك ''الفواكه'' وهي عبارة عن أحشاء ''الذبيحة'' وتتمثل في (فشة، والكرشة، والكوارع، الممبار، ولحمة رأس، الطحال)، وتعد هذه الفواكه هي الطبق الرئيسي للعديد من الأسر محدودي الحال نظرًا لانخفاض أسعارها بالمقارنة مع أسعار اللحوم الحمراء.
ويعتبر الرقاق أحد أهم الأكلات المصرية خصوصا في العيد، وهو من الموروثات المصرية القديمة، وسمي بذلك الاسم نظرًا لكون مواده الأساسية هي الدقيق والماء ويتم إعداده في شكل طبقات رقيقة هشة ومن هنا جاء اسم "رقاق", فيما جرت العادة أن يتم إعداده قديما في الأفران البلدية التقليدية، حيث تنتشر صانعات الرقاق الريفيات قبيل العيد بفترة غير قصيرة ويجمعن الدقيق من المنازل ثم يقمن بعمل الرقاق وتوصيله للمنزل، ولكن مع تطور الحياة بدأت المصانع، ومحلات متخصصة في إنتاج الرقاق، لكن يبقى للرقاق التقليدي مذاقه ونكهته الخاصة قد تكون نابعة من كونيته الثقافية التراثية وارتباط هذا الشكل القديم بتقاليد وعادات توارثتها الأجيال منذ القدم.
وبعيدا عن المأكولات، لا تزال للعيد طقوسه الاجتماعية الخاصة، التي يحرص عليها المصريون منذ مئات السنين, مثل صلاة العيد, حيث كان الاحتفال الرسمي يبدأ عقب صلاة الفجر في عصر الإمبراطورية العثمانية في أول أيام العيد، ويصعد أمراء الدولة والقضاة في موكب إلى القلعة، ويتوجهون إلى جامع الناصر محمد بن قلاوون داخل القلعة لأداء صلاة العيد ثم يصطفون لتهنئة الباشا، وبعدها يتم ذبح الأضاحي ويتم توزيعها على المحتاجين والفقراء, وفي اليوم التالي كان الباشا ينزل للاحتفال الرسمي في العيد في (الجوسق) المعد له في ميدان الرملية (القلعة) والذي فُرش بأفخر الوسائد والطفافس، ويتقدم للتهنئة الأمراء الصناجق (كبار البكوات المماليك) والاختيارية (كبار الضباط) وكتخدا اليكنجرية (الانكشارية) وتقدم القهوة والحلوى والشربات، وتفوح روائح المسك والبخور، ثم يخلع الباشا على أرباب المناصب والأمراء، كما يأمر بالإفراج عن بعض المساجين, بينما اعتاد الناس زيارة المقابر للتصديق على أرواح موتاهم وإشعارهم بالأنس والمحبة، ويحرص الشباب على الخروج في جماعات للنزهة في النيل، كما يشهد خليج القاهرة وبركة الأزبكية وبركة الفيل وجزيرة الروضة ازدحاما هائلا، وكانت مدافع القلعة تطلق أيام العيد الأربعة في أوقات الصلاة الخمسة.
وتعتبر العيدية إحدى أهم عادات المصريين في الأعياد، وهي كلمة عربية منسوبة إلى العيد بمعنى العطاء أو العطف، وترجع هذه العادة إلى عصر الفاطميين فقد حرصوا على توزيع العيدية مع كسوة العيد كهدية توزع على الفقهاء وقراء القرآن الكريم، وكانت تقدم من الدراهم الفضية والذهبية، وعندما كان الرعية يذهبون إلى قصر الخليفة صباح يوم العيد للتهنئة كان الخليفة ينثر عليهم الدراهم والدنانير الذهبية من شرفته بأعلى أحد أبواب قصر الخلافة, وقد أخذت العيدية الشكل الرسمي في عهد المماليك، فكان السلطان المملوكي يصرف راتبا بمناسبة العيد للأتباع من الجنود والأمراء ومن يعملون معه وكان اسمها الجامكية، وتتفاوت قيمة العيدية تبعا للراتب فكانت تقدم للبعض على شكل طبق مملوء بالدنانير الذهبية وآخرين تقدم لهم دنانير من الفضة وإلى جانب الدنانير كانت تقدم المأكولات الفاخرة، وفي العصر العثماني أخذت العيدية أشكالاً أخرى حيث كانت تقدم نقوداً وهدايا للأطفال، واستمر هذا التقليد إلى العصر الحديث بمنح العيدية لأطفال سواء أبناء الأسرة الواحدة أو أبناء الأقارب لتمكينهم من شراء ما يحلو لهم والاستمتاع بالعيد


أرسل تعليقك