توقيت القاهرة المحلي 13:53:48 آخر تحديث
  مصر اليوم -

التفكير الفقير فى الغنى؟!

  مصر اليوم -

التفكير الفقير فى الغنى

بقلم : د. عبد المنعم سعيد

على مدى التاريخ كان هناك دوما تيار فكرى يرى أن حل مشاكل البشر يكون بإعادة توزيع الثروة طوعا أو كرها، اتقاء للسلامة أو خوفا من السلطان أو من الجماهير. وربما كانت المدرسة الاشتراكية فى كل أشكالها الماركسية أو الديمقراطية تضع فى جوهر تصوراتها لإدارة الدولة أن تحدث عملية إعادة التوزيع هذه إما عن طريق أشكال مختلفة من «التأميم» وإما من خلال الضرائب التصاعدية. وفى الأشكال المخففة من الليبرالية الاقتصادية كانت إعادة التوزيع هذه تتم عن طريق أساليب مختلفة من الحماية الاجتماعية أو الجمعيات الأهلية التى تعتمد على النوازع الطيبة والدينية لدى الأغنياء للقيام بهذه المهمة. وتزخر الكتب المقدسة بذم هؤلاء الذين يكتنزون الذهب والفضة، وتحدثنا عن المصير التعس لقارون وغيره ممن حققوا ثروات طائلة لم تفدهم ولا مجتمعاتهم فى النهاية ولو كانوا أكثر كرما وعطاء فربما كانت النهاية مختلفة. الفكرة فى كل الأحوال هى الأخذ من الغنى وإعطاء الفقير ومن ثم يقوم العدل ويسود السلام بين الطبقات والشرائح الاجتماعية؛ وهى هكذا ذات دوافع نبيلة لأنها تعكس حنانا اجتماعيا على الفقراء من ناحية، ورغبة فى تحقيق السلام الروحى للأغنياء من ناحية أخري.

المعضلة هى أن المجتمعات الحديثة باتت مختلفة عما سارت عليها المجتمعات ربما حتى نصف قرن مضي؛ فالأغنياء والمليارديرات لم يعد لديهم بالضرورة لاذهب ولا فضة ولا مغارة علاء الدين التى تكتنز فيها الأموال والمجوهرات من مرجان وياقوت. وعندما بات بيل جيتس صاحب مايكروسوفت أغنى أغنياء العالم بثروة بلغت 93 مليار دولار، وعندما اعتلى وارن بافيت المقدمة بثروة 65 مليار دولار فى أحد الأعوام، وفى الوقت الراهن فإن صاحب أمازون وصل إلى ما لم يصل إليه أحد بثروة 105 مليارات دولار، فإن هذه الثروات جميعا لا توجد فى شكل سائل، أو حتى توجد فى البنوك تحت «حساب جارى» وإنما هى كم هائل من «الأصول» والشركات والمصانع والهيئات والجمعيات التى يعمل فيها مئات الألوف ويستخدم منتجاتها الملايين. صحيح أن هؤلاء جميعا يوجد لديهم قصور ويخوت وطائرات خاصة، ولكن ذلك نقديا لا يزيد على أقل بكثير من 1% مما يمتلكونه. ولا يفترق هذا الحال فى مصر عنها فى بقية أنحاء العالم، حيث إن الخمسة أو الستة من المليارديرات الذين أوردت قائمة «فوربس» أسماءهم تتجسد الأغلبية الساحقة من أموالهم فى شكل أصول وشركات وهيئات وتنظيمات إنتاجية وخدمية. وسواء كانت الثروات فى مصر أو خارجها، وفى دول غنية أو فقيرة، فإن الثروات لا توجد مع الأغنياء، لا توجد بشكل قابل للتوزيع، وإنما هى مندرجة فى البنوك أو فى استثمارات أو فى شركات تأمين تؤمن على هذه الثروات، وكلاهما البنوك وشركات التأمين، يقومان بدورهما بالاستثمار ليس فى بلد واحد وإنما على مدى البصر فى الكون كله.

مثل هذه الحالة من الثروة فى المجتمعات الحديثة جعلت عمليات التوزيع المقترحة لا تحقق الغرض منها وإنما قد تؤدى إلى فرار رأس المال إلى حيث توجد فرص الاستثمار وليس إعادة التوزيع. ولكن ذلك لا يحل معضلة التفاوت ما بين الشرائح الاجتماعية الذى يمكن أن يهدد السلم العام ويؤدى إلى صراع الطبقات. وفى عام 1912 قام العالم الإيطالى «كواردو جينى» بابتكار «مقياس جينى» الذى يمكنه قياس تفاوت الثروة فى البلد الواحد ما بين الشرائح العليا والدنيا فى الدخل منسوبة إلى الدخل القومى الإجمالي. هذا المقياس رغم التحفظات الواردة عليه من قبل علماء الاقتصاد، فإنه الأكثر ذيوعا واعتمادا من قبل الهيئات الدولية فى قياس قدر المساواة وعدم المساواة فى دول العالم. وفيما يتعلق بمصر فإن هذا المقياس يضعها ضمن الدول «المعتدلة» من حيث توزيع الثروة بقدر 30.8 نقطة؛ وهذا لا يجعلها ضمن الدول الأفضل توزيعا للثروة مثل الدول الإسكندنافية وألمانيا وبريطانيا وما مثلها من دول؛ ولكنه يجعل مصر أفضل حالا من دول كثيرة مثل الولايات المتحدة الأمريكية الرأسمالية والصين الشيوعية وتركيا الإسلامية وشيلى المسيحية والهند الهندوسية والبرازيل وقائمة طويلة من الدول حيث يوجد التوزيع المتوحش فعلا للثروة بين الفئات الاجتماعية.

النتيجة التى خلص إليها العالم فى تجاربه الاقتصادية والاجتماعية وحتى السياسية خلال قرنين من تجارب الدول الحديثة كانت إن إعادة توزيع الثروة سواء كان ذلك تحت راية الاشتراكية أو بيرق الرحمة الرأسمالية لا يحل معضلة التفاوت فى الثروات بين الأغنياء والفقراء. ما يحلها فعلا أمران: أولهما زيادة الثروة أو «الكعكة» الاقتصادية بحيث يكون متاحا للجميع أغنياء وفقراء قدرا أكبر منها؛ وثانيهما إتاحة الفرصة للفقراء فى الحراك الاجتماعى من الفقر إلى الغنى من خلال اكتساب المهارات والقدرات التى تتيح لهم الانتقال من شريحة اجتماعية دنيا إلى أخرى أعلى. التعليم والصحة هنا يلعبان دورا حيويا لإتاحة الفرصة؛ كما أن جذب الأغنياء للاستثمار يجعل هذه الفرصة مؤكدة. وفى حالة مصر تحديدا فإن القضية ليست توزيع الثروة بين أفراد أغنياء وآخرين فقراء وإنما هى بين الأقاليم حيث يوجد التفاوت الهائل بين إقليم قناة السويس على سبيل المثال حيث تنزل معدلات الفقر إلى 8%، وبعض محافظات الصعيد مثل أسيوط وسوهاج ترتفع إلى ما يقرب من 66% بينما المتوسط العام لمصر كلها يدور حول 30%. مرة أخرى فإنه ليس مطلوبا هنا إعادة توزيع الثروة ما بين المحافظات الغنية والأخرى الفقيرة؛ وإنما إعطاء الفرصة لهذه الأخيرة لكى تكون أكثر جاهزية لاستقبال الاستثمارات من حيث البنية الأساسية والتعليم والصحة؛ وتشجيع الاستثمارات المحلية والأجنبية من خلال حوافز ضريبية وعينية فى الطاقة وغيرها للاستثمار فى المناطق الأكثر احتياجا. ولعل ذلك هو ما تسعى الحكومة حاليا للقيام به بالإضافة إلى إدارة للاقتصاد أكثر رشادة وقدرة على اتخاذ قرارات صعبة لإعطاء الحيوية للاقتصاد كله بدلا من السعى إلى إجراءات قد تحقق شعبية مؤقتة، ولكنها تؤدى إلى نتائج كارثية فيما بعد.

نقلًا عن الآهرام القاهرية

المقال يعبّر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة رأي الموقع

GMT 01:13 2019 الخميس ,16 أيار / مايو

التوافق ينتصر للسودان .. والمعركة مستمرة

GMT 01:12 2019 الخميس ,16 أيار / مايو

مصر الفيدرالية

GMT 01:06 2019 الخميس ,16 أيار / مايو

فاتورة الحرب.. مدفوعة مقدمًا!

GMT 05:30 2018 السبت ,01 كانون الأول / ديسمبر

مشاكل ترامب أمام القضاء الأميركي

GMT 05:29 2018 السبت ,01 كانون الأول / ديسمبر

من مفكرة الأسبوع

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

التفكير الفقير فى الغنى التفكير الفقير فى الغنى



يتميَّز بطبقة شفّافة مُطرّزة وحواف مخملية

كورتني كوكس تُهدي فُستانًا ارتدته قبل 20 عامًا لابنتها كوكو

نيويورك ـ مادلين سعاده

GMT 03:24 2019 الإثنين ,17 حزيران / يونيو

"دولتشي آند غابانا" تُقدِّم عبايات لخريف وشتاء 2019
  مصر اليوم - دولتشي آند غابانا تُقدِّم عبايات لخريف وشتاء 2019

GMT 06:16 2019 الإثنين ,17 حزيران / يونيو

أغلى فيلا في تايلاند مقصد للمشاهير ومُحبي الفخامة
  مصر اليوم - أغلى فيلا في تايلاند مقصد للمشاهير ومُحبي الفخامة

GMT 09:04 2019 الإثنين ,17 حزيران / يونيو

ديكورات مستوحاة من الطبيعة للجلسات الخارجية
  مصر اليوم - ديكورات مستوحاة من الطبيعة للجلسات الخارجية

GMT 02:48 2019 الإثنين ,17 حزيران / يونيو

أرخص 10 بلدان أوروبية لقضاء عُطلة صيفية لا تُنسى
  مصر اليوم - أرخص 10 بلدان أوروبية لقضاء عُطلة صيفية لا تُنسى

GMT 03:37 2019 الأحد ,16 حزيران / يونيو

7 محظورات و 5 نصائح لتأثيث غرف نوم مميزة للأطفال
  مصر اليوم - 7 محظورات و 5 نصائح لتأثيث غرف نوم مميزة للأطفال
  مصر اليوم - رفض دعاوى بي إن القطرية ضد عربسات بشأن بي أوت

GMT 12:48 2019 الخميس ,10 كانون الثاني / يناير

تعرف على تاريخ مصر القديمة في مجال الأزياء والموضة

GMT 03:59 2018 الأحد ,28 كانون الثاني / يناير

تفاصيل جديدة في حادث الاعتداء على هشام جنينه

GMT 10:53 2018 الأربعاء ,17 كانون الثاني / يناير

العلماء يحذرون عشاق "شاي الأكياس" من المخاطر الصحية

GMT 15:26 2018 الجمعة ,12 كانون الثاني / يناير

ميلان يضع خُطة لإعادة تأهيل أندريا كونتي

GMT 09:19 2018 الثلاثاء ,02 كانون الثاني / يناير

وصول جثمان إبراهيم نافع إلى مطار القاهرة من الإمارات

GMT 08:13 2018 الإثنين ,01 كانون الثاني / يناير

التغذية غير الصحية كلمة السر في الشعور بالخمول

GMT 09:09 2017 الخميس ,28 كانون الأول / ديسمبر

طارق السيد ينصح مجلس إدارة الزمالك بالابتعاد عن الكرة

GMT 00:47 2017 الثلاثاء ,26 كانون الأول / ديسمبر

أمن الإسماعيلية يرحب باستضافة المصري في الكونفدرالية

GMT 18:22 2017 السبت ,09 كانون الأول / ديسمبر

القدر أنقذ ميسي من اللعب في الدرجة الثانية

GMT 09:28 2016 الخميس ,18 شباط / فبراير

عرض فيلم "نساء صغيرات" في الإسكندرية

GMT 12:20 2019 الثلاثاء ,04 حزيران / يونيو

طلائع الجيش يبحث عن مهاجم سوبر فى دوري المظاليم

GMT 15:09 2019 الإثنين ,03 حزيران / يونيو

فان ديك يحصد لقب أفضل لاعب بنهائي دوري الأبطال

GMT 15:15 2019 الأربعاء ,03 إبريل / نيسان

مشروع "كلمة" للترجمة يصدر "كوكب في حصاة"

GMT 20:20 2019 السبت ,09 شباط / فبراير

صدور رواية "الطفلة سوريا" لعز الدين الدوماني
 
Egypt-Sports

All rights reserved 2026 Arabs Today Ltd.

All rights reserved 2026 Arabs Today Ltd.

egyptsports egyptsports egyptsports egyptsports
Egypttoday Egypttoday Egypttoday
Egypttoday
بناية النخيل - رأس النبع _ خلف السفارة الفرنسية _بيروت - لبنان
Egypt, Lebanan, Lebanon