القاهرة ـ سهام أبوزينة
بدأت أزمة السكن في مصر خلال فترة السبعينات، وازدادت وتشعبت وتوغلت، دون حل، سوى بدائل "خيالية" ظهرت في بعض الأفلام والمسلسلات، التي تناولت تلك الأزمة، ومع تفاقم الأزمة، عقب قرار تحرير سعر الصرف العام الماضي، اتجه الشباب نحو حلول أكثر واقعية وعملية، ترجمت بعد ذلك في مشاريع مشتركة للبناء، تقوم على اشتراك مجموعة من الشباب، في تحمل سعر الأرض، وتكلفة البناء، ومن ثم الحصول على وحدة أو أكثر فيها.
وكانت البداية مع مبادرة "بيتك بإيدك"، التي انطلقت في ٢٠١٤، إلى جانب مبادرتي "ابني شقتك"، و"ابنيها"، وهي المبادرات الثلاث التي انتشرت في جميع المحافظات وراء مبادرتهم، وأبرز ملامح النجاحات، التي حققوه.
"بيتك بإيدك" مشاركة في التكاليف.. السعر أقل من المعروض.. والربح "مؤكد"
بدأ المهندس الشاب أحمد صبري، حديثه عن تجربته مع مبادرة "بيتك بإيديك" بالقول: "الفكرة تقوم على مشاركة مجموعة من الشباب في تحمل تكلفة إقامة عمارة سكنية مثلًا، ثم يحصلون على وحدة سكنية فيها، أو أكثر، إلى جانب المشاركة في الربح حال البيع لآخرين"، مشيرًا صاحب الـ٢٨ عامًا، إلى أنه تواصل مع آخرين من أجل مشاركتهم في البناء، للحصول على شقة تكون مسكنًا للزوجية، حتى استطاع بالفعل مشاركة ٧ شباب آخرين في إقامة عمارة سكنية بمنطقة الأندلس في التجمع الخامس.
ولفت صبري إلى أن تلك العمارة تضم ٤ طوابق بواقع شقتين في الطابق الواحد، وسعر المتر في الوحدة البالغة مساحتها ١٦٥ مترًا يصل إلى ٤٣٠٠ جنيه، وهو سعر أقل بكثير من العقارات المتواجدة في نفس المنطقة، التي تبدأ من ٦ آلاف جنيه للمتر.
وقال محمود عبدالشافي، المسؤول عن مبادرة "بيتك بإيدك" وهو شاب في الثلاثينات من عمره، من أبناء محافظة أسيوط، تخرج في الجامعة الأميركية عام ٢٠٠٨ إنه استشعر من خلال مشاهدته المجتمع الجنوبي الذي يعيش به، أزمة ارتفاع أسعار العقارات السكنية واستغلال أصحاب رأس المال لها، ووجد أن التكلفة الفعلية ربما تكون أقل بكثير من تلك المطروحة، الأمر الذي دفعه إلى دراسة الأمر.
وأضاف عبدالشافي "للدلالة على عدم وجود مستثمر يهدف إلى الخسارة أو الحصول على ربح أقل: المستثمر لو مكسبش ما يقرب من ٢٠٠٪ مش هيشتغل، ما هو مش هيدخل مشروع سنتين عشان مكسب ٣٠٪، كان حطهم في البنك أحسن"، متابعًا "في سوق العقارات تحتاج إلى مبلغ نصف مليون جنيه على أقل تقدير حتى تستطيع شراء شقة مناسبة نسبيًا لاحتياجاتك، لأن المسألة مقسمة بين سعر الأرض وعمولة السمسار وأسعار مواد البناء والعمال، وهو الأمر الذي يصعب تقديره نظرًا لتفاوت الأسعار بين منطقة وأخرى، وبين سمسار وآخر".
ومن أجل أن يقضى المهندس الشاب على انتهازية هؤلاء المستثمرين، وعدم مقدرة الشباب على شراء شقق بأسعار مناسبة، طرح مبادرته التي حققت نجاحًا ساحقًا على حد وصفه وأطلق عليها اسم "بيتك بإيدك"، قائلًا "أبرمنا عقود عدد من المشاريع الأخرى، وسنبدأ تنفيذها خلال الفترة المقبلة، بعضها في القاهرة القديمة وكورنيش النيل بالمعادي، بعد زيادة عدد المتقدمين للحصول على وحدة سكنية، ليكونوا شركاء وهم لا يزيدون على ثمانية في كل شىء، فيما يتم اختيار الوحدات والطوابق بالقرعة".
ولا يقتصر الأمر على الظفر بوحدات بأسعار التكلفة فقط، وإنما هناك أرباح تعود على الأشخاص المشاركين في المشروع، وفقًا لعبدالشافي، وأوضح أن الحد الأدنى الذي يحتاجه الشخص للحصول على شقة ١٢٠ مترًا، هو ٣٣٧ ألف جنيه، فيما يكون العقار المكون من ٤ طوابق، بواقع شقتين في كل طابق -خلال المبادرة- به مساحات في الدور الأرضي للمحال التجارية، بخلاف "الروف"، وكلها يمكن استغلالها وبيعها مرة أخرى".
وأردف عبدالشافي: "إذا افترضنا أن متوسط سعر المتر للمحال ٦٠٠٠ جنيه، ومساحتها ٢٠٠ متر، فإن المبلغ الخاص بكل فرد ١٥٠ ألف جنيه تعود للشاب مرة أخرى، ونفس الحال بالنسبة لـ"الروف"، ليكون إجمالي ما يسترده الشاب ٢١٠ آلاف، أي أن الوحدة تكلفتها في النهاية ١٢٧ ألفًا فقط".
وقال إسلام عبدالمعطي، مدير عام المبادرة، إن نظام العمل داخل المبادرة يكون عن طريق قبول عدد من الأفراد الذين لهم معرفة سابقة ببعضهم البعض، ولديهم رغبة مشتركة في السكن معًا، فيتم تحديد سعر الأرض، وفقًا لمساحتها وتكلفة البناء وتقسيمها بالتساوي على عدد المشاركين، كاشفًا أن مشروع "الحرمين" بمحافظة أسيوط كان بمثابة نقطة البداية، التي انطلقت منها باقي المشاريع الأخرى، بعد أن استطاع المشاركون- وهم أصحاب مبادرة "بيتك بإيدك"- الحصول على وحداتهم دون دفع أكثر من سعر الأرض ومواد البناء، بالإضافة إلى ٥٪ هامش ربح للوسيط.
وأكد عبدالمعطي بعد أن ذاع صيت المبادرة في أسيوط انطلقت في باقي المحافظات، بالتحديد في القاهرة، خاصة في المدن الجديدة، فأجرى الشركاء تجربة مماثلة في منطقة "جاردينا" في التجمع الخامس، وتم تسليم الوحدات فيها بالفعل.
"ابني شقتك" 45% من المبلغ المطلوب مقدمًا.. والباقي تقسيط على 4 أعوام
في عام ٢٠١٥، انطلقت مبادرة جديدة، اتخذت من "ابني شقتك"، اسمًا لها، وأسسها المهندس رامي فارس، ٣٢ عامًا، الذي يرى أن انتشار مثل هذه المبادرات يخفف من حدة أسعار الشقق، ولو على المدى البعيد، لأن السماسرة سيضطرون إلى القبول بربح أقل.
وأوضحت إيمان أسامة، مدير المبيعات بالشركة المسؤولة عن المبادرة، أن أول مشروع أطلقته الشركة كان في ٢٠١٥ بمنطقة "جاردينا" في التجمع الخامس، واستهدفت المبادرة بعد ذلك مناطق أخرى في التجمع، مثل الأندلس والأرونفل، والفترة الجارية تشهد المرحلة الثالثة، بإنشاءات في منطقة هليوبوليس الجديدة، القريبة من العاصمة الإدارية الجديدة ومدينتي.
وبشأن كيفية التعامل مع العملاء في المرحلة الثالثة، أضافت إيمان، تم الاستفتاء على مساحة الشقق وطرق السداد، ونزولًا إلى رغبة المشاركين، اتفقنا أن تكون الشقق من ٨٠ مترًا إلى ١٢٠، حتى تتناسب مع إمكانيات الشباب المقبل على الزواج، بتسهيلات سداد تصل إلى ٤ أعوام، موضحة أن الشباب يدفع ٢٥٪ من القيمة مقدمًا، حتى تستطيع الشركة شراء قطعة الأرض، ثم ٢٠٪ أخرى، أي أن المحصلة في النهاية ٤٥٪ من المبلغ المتفق عليه، والباقي بالتقسيط على ٤ أعوام بواقع ٢٠٠٠ جنيه شهريًا بما يتناسب مع دخول الشاب البسيطة، بخلاف ٦٠٠٠ جنيه كل ٦ أشهر، حتى الانتهاء من دفع المبلغ بالكامل في آخر المدة، الذي يصل إلى ١٤٧ ألف جنيه للوحدة الـ٨٠ مترًا، بـ"الجراج"، متابعة "هناك مشاريع أخرى تم تنفيذها بمدينة الغردقة، والفترة المقبلة تشهد تشييد ١١ وحدة في وقت واحد، دون وجود أي زيادة على أصل التكلفة غير الـ١٠٪، التي هي هامش الربح الوحيد.
وقبل قرار تحرير سعر الصرف بعام، قرر المهندس عماد عيسى شراء شقة ليسكن بها، وبعد أن علم بأسعار الشقق، اعتزم السفر إلى دول الخليج حتى يتحصل على ثمن الشقة، وبالفعل عاد ومعه المبلغ المتفق عليه، ليجد الكارثة وهي أن الشقة زاد سعرها للضعف، وأثناء حديثه مع بعض من أصدقائه، وجد أن لديهم نفس المشكلة، وأنهم جميعهم يتعرضون لجشع السماسرة، فاتفقوا على أن يشتروا قطعة أرض بالمشاركة ويبنوا عمارة سكنية تجمعهم، واستطاعوا شراء الأرض وحصل كل واحد منهم على وحدة سكنية بمساحة ٢٠٠ متر، ولم يتخط ثمنها الـ٤٠٠ ألف جنيه.
٦ أشهر هي عمر "ابنيها"، المبادرة التي أطلقها عيسى في مطلع العام الجاري، بعد أن نمى إلى علم المحطين به تجربته، فرغبوا أن يساعدهم في الحصول على وحدات بنفس الطريقة وبالتكلفة الفعلية للمبنى، فأطلق المبادرة، وقدم من خلالها عددًا من المشاريع التي استهدفت فئة الشباب في المقام الأول.
وشكا عيسى من أن هناك عددًا من المشاكل التي تعرقل خط سير مبادرتهم، والمبادرات الأخرى، مطالبًا بمنحهم تسهيلات تمكنهم من شراء قطع أراض عن طريق الدولة، كما تفعل مع المستثمرين، لأنهم يقدمون خدمة لشباب البلد في المقام الأول، وبنفس الامتيازات التي يقدمها المستثمر، بل بسعر أقل، حسب قوله، وأشار إلى أنه ينشأ حاليًا وحدات مقابلة لمشاريع شركة "ماونتن فيو" في القاهرة الجديدة، وبأسعار أقل من تلك التي تقدمها.
واستكمل عيسى: "إحنا بنشتري الأرض من المستثمر اللي اشتراها بالقرعة، لذلك أقترح تقدم الملاك، وليكن عددهم ١٠ لشراء قطع الأرض التي يتم عرضها عن طريق الاقتراع، وفي حال حصول أحدهم على الأرض فإنه سيوفر على الباقين أجرة الوسيط، التي تصل في كثير من الأحيان إلى ٥٠٠٪، من سعر الأرض".
وواصل عيسى: "٥ مشاريع هي إجمالي ما قدمته منذ أكثر من عام، بشكل غير رسمي، قبل إعلان المبادرة، ٤ منها في منطقة التوسعات الشمالية في مدينة ٦ أكتوبر، وواحدة بمنطقة الشيخ زايد، وستشهد المرحلة المقبلة تواجدنا في منطقة التجمع الخامس، بمشروعين، أحدهما يستهدف الشباب، بمساحات تبدأ من ١٠٠ متر، وبأسعار من ٣٥٠ ألف جنيه إلى ٤٠٠ ألف، وبهامش ربح ١٠٪، والقسط على سنتين، وسنعمل على عدد من المشاريع الأخرى في منطقة حدائق الأهرام".
ولفت عيسى إلى أن المبادرات الثلاث لاقت قبولًا جماهيريًا كبيرًا، وتدافع الشباب نحوها رغبة في الحصول على شقة مناسبة، وبعيدًا عن استغلال الوسيط، مضيفًا لا فرق بين المبادرات الثلاث، فالجميع يبحث عن حلول مناسبة، تقضي على أزمة ارتفاع أسعار.


أرسل تعليقك