تجنب الاتحاد الاوروبي خسارة أحد أسباب قوته وتماسك كيانه، إذ تعرضت وحدته النقدية إلى اختبار هو الأعنف منذ بدء تطبيق العملة الموحدة (اليورو) عام 2002 بديلاً لكافة عملات دول الاتحاد،بسبب أزمة اليونان وبرنامج إنقاذ اقتصادها اللذين عكرا صفو احتفال الأوربيين ببلوغ اليورو عامه الثالث عشر .
فبعد جهد مضن وافق وزراء مالية منطقة اليورو على مشروع الإصلاحات الذي قدمته أثينا ، ما فتح الطريق أمام تمديد برنامج التمويل لليونان حتى الصيف المقبل، وتجنيب هذا البلد الاختناق المالي.
وأعلن نائب رئيس المفوضية الأوروبية فالديس دومبروفسكيس، أنه بات بالإمكان إطلاق الإجراءات الوطنية اللازمة لتمديد البرنامج اليوناني في إشارة إلى ضرورة موافقة كل دول منطقة اليورو الـ19 على التمديد.
واستغرقت المشاورات بين وزراء مالية الدول الـ19 نحو ساعة، وجاء موقفهم بعد موافقة أولى صدرت من المؤسسات الدائنة (الاتحاد الاوروبي، المصرف المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي) ، على خريطة الطريق التي قدمتها أثينا.
وتبلغ مديونية اليونان ما نسبته 180 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، واضطرت بفعل الأزمة المالية والاقتصادية 2010 إلى الاقتراض من صناديق الاستقرار المالي الأوروبية التي أنشأتها دول الاتحاد لمساعدة ايرلندا والبرتغال واسبانيا وايطاليا في إدارة أزمة الديون السيادية.
واستحال على أثينا الاقتراض من أسواق المال لأن الأخيرة فرضت أسعاراً مرتفعة للفائدة وصلت 12 في المائة.
وكان لزاماً على أثينا التوجه إلى الشركاء الأوروبيين لتفادي الإفلاس، في مقابل الموافقة على تولي مجموعة اوروبية الإشراف على سير برنامج التقشف الجاري منذ أربع سنوات.
وتسبب الغضب الشعبي في اليونان في نجاح اليسار بتشكيل الحكومة الجديدة واعتمد حزب (سيريزا) الحاكم في سياسته على مناهضة الوصاية الأوروبية في إدارة موازنة بلاده ،وسعى رئيس الوزراء اليوناني ألكسيس تسيبراس إلى احتضان غضب الفئات الشعبية التي تضررت كثيراً من قساوة برنامج التقشف.
وبدأت دول اليورو عملية مناقشة اتفاق تمديد برنامج الإنقاذ رسميا في شهر فبراير الماضي بغية إتمام العملية قبل نهاية الشهر ذاته حين ينتهي أجل البرنامج ،لكن يحتاج الاتفاق الحالي إلى إقراره رسميا من دول منطقة اليورو ودول الاتحاد الأوروبي والبرلمانات الوطنية لبعض الدول الأعضاء.
وكانت منطقة اليورو قد أمهلت اليونان اسبوعاً لكي تطلب تمديد برنامج المساعدات وذلك في ختام اجتماع عقد في بروكسل في 16 فبراير المنصرم ،وانتهى برفض أثينا الطلب الأوروبي بمواصلة تطبيق خطة الانقاذ المالي دون أي تغيير ،وأعلن يورين ديسلبلوم رئيس مجموعة اليورو أنه أمام اليونان مهلة للتقدم رسمياً بطلب لتمديد برنامج خطة الانقاذ المالي.. مؤكداً أن الخطوة المقبلة يجب أن تكون من السلطات اليونانية في إشارة إلى حكومة اليسار .
وتحاول الحكومة اليونانية اليسارية التي يقودها رئيس الوزراء اليكسيس تسيبراس تغيير شروط خطة الإنقاذ البالغة قيمتها 240 مليار يورو، مؤكدة أنها الحقت أضرارا كبيرة بالاقتصاد اليوناني بعد سنوات من التقشف.
ويبدو الرهان حاسما بالنسبة لليونان إذ يتعلق الأمر بإيجاد وسيلة للتمويل الذاتي على المدى القصير، فيما ينتهي العمل بخطة المساعدة في 28فبراير، وقبل التفكير بحل للتخفيف من عبء الديون الهائلة المقدرة بحوالي 315 مليار يورو، أي أكثر من 175 بالمائة من إجمالي الناتج الداخلي.
وصرح وزير المالية اليوناني يانيس فاروفاكيس، أن بلاده في حاجة إلى بضعة أشهر من الاستقرار التي ستسمح لها بالإنطلاق في الإصلاحات لكي نتمكن من إعادة النمو ووضع حد لعجزها عن تسديد ديونها.
وفي حال عدم التوصل إلى اتفاق بشكل نهائي، يتعين على البلد الذي لا يمكنه الاقتراض الإ بمعدلات فوائد باهظة، أن يواجه استحقاقات مهمة لتسديد ديونه في الأشهر المقبلة مع خطر الخروج من منطقة اليورو.
وتخيم الأزمة الأوروبية على الوضع الداخلي باليونان،حيث أشارت تقارير إلى أن المودعين اليونانيين سحبوا خلال أيام أكثر من ملياري يورو حسب تقديرات البنوك اليونانية .. ونقلت مصادر عن مسؤولين في مصارف يونانية قولهم إن فرض قيود على رؤوس الأموال يجب ألا يكون خيارا للحكومة، لأن هذا الخيار ستكون له نتائج خطيرة وطويلة الأمد على اقتصاد البلاد.
وحتى الساعة لم تفرض السلطات أي قيود على سحب الودائع من المصارف وإن كان موظفو البنوك يحاولون ثني العملاء عن سحب مبالغ كبيرة وإقناعهم بسحب مبالغ أقل، فيما يلاحظ أن الحكومة لم تعلق على الموضوع، خاصة أن الحديث عنه بقوة يشكل نقطة ضعف لها في مفاوضاتها مع الدائنين .. وبلغت نسبة سحب الودائع خلال الشهريين الماضيين من عشرين إلى ثلاثين مليار يورو بمعدل مليارين إلى ثلاثة مليارات أسبوعيا.
وعلى الرغم من قلق المودعين ،لكن قطاعاً غير قليل من الشارع اليوناني يرى أن الإذعان لخطة الاتحاد الأوروبي "امتهان" لكرامة بلادهم،ففي مطلع الشهر الجاري تجمع آلاف الأشخاص في أثينا للمطالبة بحفظ كرامة اليونان التي تخوض مفاوضات شاقة في بروكسل مع منطقة اليورو لطي صفحة إجراءات التقشف، ورفع المتظاهرون شعار "نفحة من الكرامة" .. وأفاد إستطلاعان للرأي أن أكثر من سبعة يونانيين من أصل عشرة يعتبرون أولى خطوات الحكومة اليونانية إيجابية، وتأمل هذه الأخيرة "ان تدير ظهرها للتقشف"، مع سعيها في الوقت نفسه إلى "اتفاق" مع منطقة اليورو.
لكن السؤال الأهم في تلك المرحلة الدقيقة التي تمر بها مسيرة الاتحاد الأوروبي هو، هل ستقبل اوروبا بخروج أثينا من عالم اليورو إلى ذاكرة الدراخما مرة أخرى ؟ والإجابة كانت في ثنايا التحرك الانجليزي مطلع الشهر الجاري، حيث التقى رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون مع كبار المسؤولين الاقتصاديين لمناقشة احتمال خروج اليونان من منطقة اليورو وذلك في إطار الاعداد لخطة طارئة.
وعقد مسؤولون كبار بينهم مسؤولون من وزارة الخارجية و(البنك المركزي البريطاني) اجتماعا وسط هبوط الأسواق عقب إعلان رئيس الوزراء اليوناني الكسيس تسيبراس تمسكه بعدم تمديد برنامج المساعدات المالية.
وصرح متحدث رسمي باسم كاميرون أن "هناك مخاطر من انتشار عدوى (ما يحدث في اليونان) وحدوث إضطرابات" في الاسواق.
وتلعب لندن دورا رئيسيا في القطاع المالي في اوروبا كما،أن منطقة اليورو هي أكبر سوق للصادرات البريطانية، ولذلك فإن أزمة منطقة اليورو يمكن أن تؤثر على الاقتصاد البريطاني بشكل كبير.
و تؤكد تصريحات قيادات ائتلاف الحكومة اليونانية الجديدة (اليمين واليسار) حرصهم على تماسك الاتحاد الأوروبي، ورغبتهم في التمسك باليورو، ما ينبئ، ربما، بمفاوضات منهكة بين الاتحاد الأوروبي والحكومة حول برنامج التقشف، وإن كانت لن تقود بالضرورة إلى تبعات جوهرية على الاتحاد الأوروبي سياسياً، ولا على تماسكه الاقتصادي.
في ذلك السياق، وبينما يبدو قطبا التحالف اليوناني الحاكم مختلفين ، إلا أن عداوتهما المشتركة للاتحاد الأوروبي وشروط برنامج التقشف الحكومي المفروضة على اليونان، تجعلهما بالفعل تجسيداً للموقف السياسي للسواد الأعظم من الناخبين اليونانيين، بل وربما لتوجهات الرأي العام في دول الجنوب الأوروبي الذي وقع على شعوبها العبء الأكبر في مواجهة الأزمة المالية الأوروبية.
أرسل تعليقك