جوبا - مصر اليوم
تعيش جنوب السودان أوضاعا متفاقمة تزداد سوءا يوما تلو الآخر ، في ظل التدهور المستمر للأوضاع الإنسانية والمعيشية للمواطنين ، والذي يتزامن مع تعثر مسار المفاوضات بين وفدي الحكومة والحركة الشعبية المعارضة ، خاصة بعد مقاطعة الطرفين لجولة المفاوضات الأخيرة التي ترعاها منظمة "الإيجاد"، والتي لم تنجح حتى الآن في إحراز أي تقدم على طريق السلام.
وبعد أكثر من ستة أشهر من المعارك ، بين القوات الحكومية بقيادة الرئيس سيلفا كير وقوات المتمردين بقيادة نائبه السابق رياك مشار، يبدو المشهد الجنوبي ملبدا بالغيوم على مختلف الأصعدة ، فمن ناحية لم ينجح طرفا النزاع في التوصل إلى أي اتفاق يخرج البلاد من مأزق الحرب الطاحنة التي تعيشها منذ ديسمبر الماضي ، فقد توالت جولات التفاوض ، التي ترعاها منظمة الإيجاد في أديس أبابا والتي تكلفت حتى الآن أكثر من 17 مليون دولار، ولكنها لم تنجح في وقف سلسلة المعارك والجرائم الوحشية التي تشهدها الدولة الوليدة.
وجاءت آخر ضربة لجهود السلام ، عقب قرار طرفي النزاع مقاطعة مفاوضات " أصحاب المصلحة " التي كان من المقرر أن تعقد الأسبوع الماضي تحت رعاية منظمة "الإيجاد"، حيث رفضت حكومة الجنوب المشاركة في تلك المفاوضات إعتراضا على تصريحات أمين السر التنفيذي لمنظمة الإيجاد التي وصف فيها طرفي النزاع بالـ "الغباء" ، أما وفد المتمردين فقد رفض المشاركة في تلك المفاوضات بسبب عدم استشارتهم بشأن المشاركين واصفين اختيار الوفود "بالخاطئ" وبأنه يفتقد للشفافية والعدالة.
ورغم أن الرئيس سيلفا كير وخصمه رياك مشار قد اتفقا - خلال القمة الأخيرة للإيجاد التي عقدت الشهر الجاري - على وقف إطلاق النار وتشكيل حكومة انتقالية في غضون 60 يوما ، غير أنه لا يعول كثيرا على ذلك الاتفاق حيث أنه سبقه اتفاقان آخران لوقف إطلاق النار ، ولم يتم الالتزام بأي منهما على أرض الواقع.
من ناحية أخرى ، تعيش دولة الجنوب الوليدة أوضاعا إنسانية مأساوية ، فقد تسببت الحرب الطاحنة في مقتل الاف الضحايا وتشريد ملايين المواطنين ، حيث أجبر أكثر من مليون ونصف مليون شخص على النزوح تاركين مراعيهم ومزارعهم ، بينما لجأ نحو 100 ألف مدني إلى قواعد الأمم المتحدة المكتظة هربا من المجازر الإثنية.
وفي هذا الصدد ، حذرت الأمم المتحدة من أن أكثر من 50 ألف طفل مهددون بالموت قريبا بسبب المرض أو الجوع ، وأعلنت في تحذير رسمي أنّ ثلث سكان دولة جنوب السودان - البالغ عددهم 12 مليون نسمة - قد يواجهون خطر المجاعة نهاية العام الجاري إذا استمرت الحرب الأهلية في البلاد بين الأطراف المتحاربة ، إضافة إلى انتشار مرض الكوليرا والملاريا وسط الأطفال الذين يواجهون سوء التغذية بصورة خاصة .
وشددت الأمم المتحدة على حاجة آلاف المواطنين إلى طوارئ صحية في مجالات الطعام والمياه النظيفة ومخيمات الإقامة ، مشيرة إلى أنه رغم تقديم مؤتمر المانحين نحو 740 مليون دولار من المساعدات الإنسانية لدولة الجنوب غير أن تلبية الاحتياجات لا يزال يتطلب أكثر من مليار دولار.
وفي ضوء المشهد السابق أعرب فريق واسع من المراقبين عن مخاوفه إزاء الأوضاع الراهنة التي تشهدها دولة الجنوب ، خاصة في ظل استمرار الأزمة السياسية وتعثر الوصول إلى حل سلمي ، ويعتبر هذا الفريق أن الأزمة الراهنة التي تمر بها البلاد قد أظهرت جوانب الإخفاق والفشل اللذين صاحبا تشكيل الدولة الوليدة.
فمن ناحية ، إعتمدت دولة جنوب السودان على العنصر القبلي في تكوينها وهو الأمر الذي كان له انعكاسات مباشرة على شكل الدولة ومؤسساتها ، حيث أصبح من الصعب التحول من كيان قبلي تقوده الأعراف والتقاليد إلى دولة مدنية تحكمها القوانين ، وعهدت كل من حكومة الجنوب والمعارضة بإدارة أمور السياسة إلى قبائلهم ، فقاموا بتسييسها وتجييشها وتزويدها بالأسلحة ، وظهرت هيمنة العنصر القبلي بوضوح خلال الصراع الحالي الذي يدور بالأساس بين قبيلتي الدينكا التي ينتمي إليها سيلفا كير والنوير التي ينتمي إليها رياك مشار، وهما أكبر مجموعتين قبليتين في البلاد.
وزاد من حدة الصراع استقواء أطراف النزاع بكيانات قبلية أخرى ، تجتمع على اختلاف أهدافها ومصالحها ، حيث يقوم كل كيان بحشد أشتات القبائل من حوله مما يتعذر معه اتفاق الطرفين الرئيسيين أو تنفيذ ما اتفقوا عليه وهو ما عرقل التوصل إلى تسوية سياسية مقبولة ، وساهم بدوره في استمرار الصراع.
من ناحية أخرى ، فشلت القيادة الجنوبية في إدارة الموارد الاقتصادية للبلاد مما أدى إلى تردي الأوضاع المعيشية للمواطنين وانتشار الفقر ونسب الأمية وارتفاع نسب الإصابة بالأمراض والوفيات ، ولم تقم النخبة بأي خطوة إزاء هذه التحديات والمصاعب الاقتصادية والاجتماعية ، بل ارتفعت حالات الفساد خلال الأعوام الأولى من ظهور الدولة الوليدة وبلغت معدلات قياسية.
ويخلص المراقبون من كل ما سبق إلى أن حل الأزمة لن يتم من خلال انتصار حاسم لأحد أطراف النزاع على الآخر ، فالطرفين لن يصمدا طويلا نتيجة قلة الأموال اللازمة للتسليح وانخفاض أعداد الجنود ، وبالتالي فلا سبيل إلا التوصل إلى اتفاق سياسي يضم جميع الأطراف المتنازعة ويكون مصحوبا بإرادة سياسية حقيقية تغلب المصلحة الوطنية على أي اعتبارات شخصية أو قبلية ، وأن يكون هذا الاتفاق مرتبط بآلية للتنفيذ والمراقبة حتى لا يكون كغيره من الاتفاقات التي ظلت وعودا ولم تتعد كونها حبرا على ورق.
أ ش أ


أرسل تعليقك