أكد شيخ الأزهر الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب أنَّ تهميش دور المؤسسات الدينية مع تراجُع أدوار غيرها من المؤسسات أسهم في تغلغُل الأفكار المتطرفة، وشدَّد على أنَّ مواجهة الإرهاب وتلك الأفكار ينبغي أن تكون شاملةً، بمساهمة كلِّ هذه المؤسسات.
ودعا الإمام الأكبر، في حديث خص به جريدة الأهرام، إلى ضرورة أن يتحمَّل الإعلام مسؤوليَّاته ويُرشِّد دوره في الحِفاظ على مُقومات المجتمع وتدعيم التسامُح والاعتدال مع ضرورة دعم الدولة للإعلام الرسمي ليحقق أهداف الدولة الاستراتيجية، وأكد ثقته في أن داعش وغيرها إلى زوال.
وأوضح الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب أن الأزهر يفخر بأنه أطلق الدعوة لتجديد الخطاب الديني منذ سنوات، ونادى بها علماء الأزهر وعملوا عليها بالبحث والدراسة والرسائل العلمية والندوات لسنواتٍ عديدة، ولكنها لم تكن تحظى بالأولوية في خضمِّ المشكلات والقضايا الأخرى، ثم جاء الرئيس عبدالفتاح السيسي وتبنَّى هذه القضية وأخرجها من ضِيق التهميش والتجاهُل إلى سَعة الاهتمام، وجعلها قضية وطنية ذات أولوية وضرورة يدرك الأزهر أهميتها منذ وقت طويل.
وعلى الرغم من أن دعوة الرئيس عبدالفتاح السيسي إلى تجديد الخطاب الديني منحت الجهود المبذولة في هذا المجال اهتمامًا شعبيًّا ودفعت بها إلى صدارة القضايا التى يتم التركيز عليها إعلاميًّا، إلا أن هذا الاهتمام الإعلامي ترتَّب عليه مشكلة لم تكن في الحسبان تتلخص في أنَّ هذه القضية ليست قضية جماهيرية وشعبية يستطيع الجمهور والإعلام أن يُشارك في مناقشتها لأنها قضية علمية بالدرجة الأولى بالغة التعقيد والتخصص، لا يمكن لغير المتخصصين أن يكون لهم دور فى مرحلة البحث والدراسة والتنقيح، وإنما دور الناس والإعلام يأتى فى مرحلة التنفيذ وفحص ومتابعة نتائج التنفيذ لما تم إنجازه.
والأمر المهمُّ الذي يجب التأكيد عليه هو أن التجديد لا يعني الهدم والتبديد، ولا يعني الخضوع لدعاوى لا تقل تطرفًا تنتهز الفرصة لتشويه كل ما هو ديني أو تراثي، على النحو الذي نرى مظاهر عدَّة له، وهذه المحاولات المعادية للتراث الإسلامى هى نفسها من أقوى دوافع التطرُّف والإرهاب، بما تطرحه من مغالطات وسفسطاءات، وما تفتعلُه من معارك خالية من المضمون وما تثيره من استفزاز غير مأمون العواقب لدى الشباب الذى يحترم دينه.
كما أن التجديد هو خاصة لازمة من خصائص دِيننا الحنيف، وعملية مُستمرَّة ومتوالية ومتجددة للانتقال إلى منهجٍ جديد وإحياء الاجتهاد فيما يخدم هذه الأمة، وأمره محسوم فى الإسلام لأن النصوص التي تؤخذ منها الأحكام الشرعية محصورة ومحددة، أما الأمور المستجدة فهى فوق الحصر والعد، ومن هنا فلا بد من اجتهاد العلماء، حتى يمكن أن تناسب الشريعة العصور والأزمان.
وكشف الدكتور أحمد الطيب أن لجنة تطوير التعليم (ما قبل الجامعي) في الأزهر الشريف انتهت من مراجعة دقيقة للمناهج الدراسية، شارَك فيها عدد كبير من خبراء المناهج ومن مختلف التخصصات العلمية والتربوية، ولم يكن عمل اللجنة كما يُخيَّل إلى بعض الناس مقتصرًا كما يقال- على حذف بعض الفقرات أو الموضوعات التي قد تُثير التباسًا، بل كان تطويرًا عامًّا وشاملًا ينطلق من فهم العمليَّة التعليميَّة بوصفها تخضع لمتغيرات مُتسارعة تقتضي مواكبتها بتعديل الموضوعات وطرائق العرض، وتضمين المناهج للقضايا المعاصرة التي ترتبط بحياة الطلاب والناس وواقعهم، وبشكلٍ عام فإنَّ تطوير المناهج عملية مستمرَّة، وهذه سمةُ أيِّ نظام تعليمي يطمح إلى النجاح.
وأضاف الدكتور أحمد الطيب أن مرحلة الجامعة هي مرحلة بالغة الأهمية للقائمين على الأزهر؛ لأنها المرحلة التي يتبلور فيها الخريج علميًّا ونفسيًّا، كما أنَّ التجديد يَشمَلُ في جانب منه الأساتذة والباحثين في كليَّات الدعوة وأصول الدِّين والدراسات العربية والإسلامية والشريعة بأقسامها المختلفة، وكذلك في كليات اللغة العربية، وحتى في الكليات العِلميَّة مثل الطب والهندسة، باعتبار كلِّ هؤلاء طلابًا وباحثين وأساتذة يُمثِّلون الحصن الحصين ضد التطرُّف، والقاعدة القادرة على إنتاج الخطاب الدِّيني الملائم ونشره بين الناس، وتتجاوز نظرة الأزهر هذه الأبعاد إلى التركيز على الباحثين بدرجتي الماجستير والدكتوراه، وتوجيه أبحاثهم إلى القضايا المتعلقة بالتجديد، وكذلك عقد المؤتمرات والندوات المتخصصة، وتشجيع طلاب الدراسات العُليا على دخول هذا المجال في رسائلهم العلمية، وتخصيص مجلات عِلميَّة للدراسات والبحوث التي تُناقش التجديد فى كل مجالات المعرفة بما فيها الخطاب الديني، وتخصيص جوائز لأفضل الإسهامات التى يتقدم بها الطلاب والأساتذة أيضًا، وتشجيع الجامعة بطلابها وأساتذتها على الانخراط فى أنشطةٍ جماهيريَّة تتصل بالجماهير وتخاطبهم بأسلوب مُعتدِل.
وشدد الدكتور أحمد الطيب أن الأزهر لم يفقد مكانته حتى نسأل عن كيفية استعادتها، ويشهد على ذلك مكانته في قلوب المسلمين فى العالم أجمع، وهناك ما أودُّ توضيحه هنا وهو: التفرقة بين مكانة الأزهر فى قلوب الخاصة والنخبة العامة وعقولهم، داخل مصر وخارجها، وبين مكانة الأزهر فى بعض وسائل الإعلام الخاصة.
وفيما يتعلق بمكانة الأزهر في خارج مصر وبجميع دول العالم بالشرق والغرب وفي قلوب وعقول النُّخبة وعامَّة الشعب المصري، فإنه يُمثِّلُ بالنسبة لهم قلعةَ الإسلام المعتدل الصحيح، وهو الملاذ الآمن ضد كلِّ موجات التطرُّف والإلحاد، وهو مَلاذ المصريين في كلِّ أوقات المِحَنِ والشدائد، ويجب ذكر دور الأزهر فى حماية الوطن ووحدته الوطنية والتلاحُم مع أشقَّائنا الأقباط ووأد الفتن التى يشعلها المتربصون بينهم وبين المسلمين ووثائق الأزهر، ووقفته إلى جانب ثورة 30 يونيو ودوره في إنجاحها، ودوره الحالى في إنجاح المصالحات المجتمعية فى الداخل والخارج؛ وعلى سبيل المثال دوره فى المصالحة الأخيرة بأفريقيا الوسطي.
وبخصوص حملات الهجوم والنقد فعندنا في الأزهر هيئات تتابع كل ما يُكتب في هذا المجال، ولا ندعي أن أداءنا هو الأفضل والأكمل، فالكمال لله وحده، ولا أنكر أننا نجد، قليلًا، من بين هذه الانتقادات يصدر عن رغبة صادقة في الإصلاح أو تدارك الأخطاء، وما ينبهنا إلى بعض جوانب القصور، وفي هذه الحالة فإننا نبادر إلى الاستفادة من مثل هذه الآراء، وربما ندعو أصحابها ونناقشهم ونلتمس منهم مزيداً من النصح. وعلى الجانب الآخر نجد أن هناك من يخوض حروبًا هدفها التشويه وزعزعة ثقة الناس فى أزهرهم الشريف، ولا نجد فى الكتابات التى تنحو هذا المنحى غير الافتراءات والتلفيقات، ولا يوجد فيها ما يمكن الاستفادة منه لأنها تعتاد اختلاق الأكاذيب والشائعات.
وتابع الدكتور أحمد الطيب أن الأزهر يعقد لقاءات مع عددٍ كبير من المثقفين والمفكرين والعلماء والإعلاميين من أجل المشاركة فى صياغة وثيقة تَصدُر من الأزهر الشريف، وتتناول آليات وضوابط إصلاح الفكر الديني وتجديده، ويُشارك في صياغة هذه الوثيقة عدد من العلماء والباحثين الثقات بجوار عددٍ من المفكرين والمثقفين والكُتَّاب من كل الاتجاهات الفكرية والسياسية والثقافية، والذين يعرضون رؤاهم ومقترحاتهم حول آليَّات وضوابط تجديد الفكر والخطاب الدِّيني خلال الحلقات النقاشية التي يتبنَّاها الأزهر.
وأوضح الدكتور أحمد الطيب أن التطرف صورةٌ من صور الجرائم الجنائيَّة التى تتخذ من الدين ستارًا وتوظفه ليكون مبررًا للخُروج على القانون وعلى المجتمع، والدين هو المجنيُّ عليه جنبًا إلى جنب مع ضَحايا الجريمة، ولعلنا نُذكِّر بأن مصر لم تواجه التطرف خلال العامين الماضيين أو العقد الأخير فقط؛ لأن معركتها معه تمتد إلى ما يزيد على أربعة عقود، وكان من ضحايا هذه الموجات المتطرفة الشيخ الذهبي والرئيس الأسبق محمد أنور السادات - رحمهما الله - ولم يتوقَّف بعدها، وخلال هذه العقود كان موقف الأزهر الشريف ثابتًا، وهو التصدِّي بالحُجَّة والبرهان والدليل الشرعي لكل الأفكار والجماعات التى تبنَّت أفكارًا خاطئة وحاولت الترويج لها، وقد أكَّد الأزهر الشريف دائمًا ترسيخ الوسطية والتسامح ونبذ العنف والكراهية التى اتخذتها الجماعات الضالة منهجًا وأسلوبًا، سواء تجاه الأديان والمذاهب والحضارات والشعوب الأخرى، أو تجاه المسلمين الذين لا يُشاركونهم تطرُّفهم وتشدُّدهم.
وقد حدث تطورٌ مهم في مصر خلال العقود الماضية؛ إذ لوحظ أنَّ وجود الدولة في المناطق العشوائية التي تضخَّمت بصورة مذهلة أصبح غير قائم، فهناك مناطق تضمُّ مئات الألوف لا يُوجَد لها نقطة شرطة ولا يوجد بها مستشفيات لوزارة الصحة أو للتموين أو التعليم والإسكان، وكان لابد أن يكون هناك مَن يحل محل الدولة فى كل هذا، وجاءت هذه الجماعات المتطرفة وعملت داخل هذه المناطق لتُتاجر بهذه الخدمات وتؤثر بالمال والنفوذ والدعم وتقديم الخدمات فى عقول قاطنى هذه المناطق، والآن نحن ندفع ثمنَ انسحاب الدولة من داخل هذه المناطق، وعلى المسئولين أن ينتبهوا لملء هذه الفراغات وإلَّا فسوف نفاجأ بمن يملؤها من جماعات أخرى ونعود لنقطة البداية.
وأضاف الدكتور أحمد الطيب أن القضية لا تتعلق بالأزهر فحسب أو بالمؤسسات الدينية وحدها، لأن كل جهات التنشئة الاجتماعية والنفسية تتحمل جزءًا من المسؤولية، وعلى رأسها مؤسسات التعليم والمؤسسات الإعلامية والمؤسسات الثقافية والفكرية، ومؤسسات الشباب، ولا ينفصل موضوع التطرف أيضًا عن الظروف الاقتصادية والمشكلات المعيشية والبطالة، وكذلك البيئة السياسية التؤ لا تستطيع استيعاب الشباب وإعطاءه مساحة للتعبير عن ذاته والمشاركة فى شئون مجتمعه. كل ذلك يُسهم فؤ ارتفاع وتيرة تأثر الشباب بالأفكار المتطرفة، ولا ننسى أيضًا أن الغرب بأطماعه وتدخلاته فى شئون الدول الإسلامية وتزايد نزعات التطرف فيه يمنح الجماعات المتطرفة فى الدول العربية والإسلامية ذرائع ومبررات لتجنيد الشباب الغاضب على ما تتعرض له بلدانه من انتهاك ومن اعتداءات.
وتابع الدكتور أحمد الطيب أن لابد من الاعتراف أن جميع مؤسسات الدولة قد أصابها بعض الوهن والضعف خلال السنوات الطويلة الماضية، ولذا يجب علينا العمل على تصحيحه وإصلاحه، ولكن بشكل عام فالأزهر لم ولن يتواني عن القيام بمسؤولياته وبدوره في مواجهة التطرف واحتواء شروره، ومنع الأفكار الفاسدة من أن تجد لها طريقاً إلى قلوب الشباب وعقولهم.
ومن ضمن جهود الأزهر ما يعقده من ندوات وما يحركه من قوافل دعوية تجوب مصر من شمالها إلى جنوبها.
كما ينسق الأزهر الجهود على مستوى الدول العربية والإسلامية، ويعقد المؤتمرات والندوات، ويسافر علماؤه إلى كل أنحاء العالم لمخاطبة سياسيى الغرب وإعلامه وجامعاته وبرلماناته ومؤسساته الدينية وأحزابه ومراكز الدراسات والبحوث فيه، لإيضاح حقيقة الإسلام.
أرسل تعليقك