الغزل هو تلك الحرفة العتيقة التي تأتي بتلك الخيوط اللازمة لعملية النسيج، وتلخص تقنيتها الهامة والشديدة البساطة في جمع شتات اﻷلياف لنصنع منها خيطًا متينًا نهديه إلى عملية النسيج كلبنة أولى ليسدي ويلحم معًا، ويخرج علينا في صورة تمكننا من تشكيله حسب الهوى والرغبة والاحتياج.
والخيال كما يقع في فهمي هو تلك التصورات الجامحة واﻷمنيات الهائمة في عالم العقل البشري، والتي تنطلق متشرزمة مفككة من منطقة مبهمة داخل ذلك العقل، وتتفاوت درجة تشرزمها وتفككها حسب كل نفس على حدا، وتستمد قوتها وحجم طموحها من مستويات الرغبة في تغير واقع حاصل لتلك النفس.

وغزل الخيال ما هو إلا محاولة لفتل تلك الشرازم الهائمة لنصنع منها غزلًا و خيطًا ننسج من خلاله ثوب الخيال الشفاف وتفاصيله التي نخيطها حسب الرغبة واﻷمنية.
والفنان الكبير جميل شفيق واحدًا من هؤلاء الذين لديهم القدرة والمهارة على فتل تلك الشعيرات الدقيقة متناهية الرقة ليصنع منها خطوطه الرقيقة تمهيدًا لينسج من غزلها تلك اﻷحلام والخيالات والتي تمثل ما دار في خلده وأطلقه في باحة خياله النهم منذ كان يجلس لساعات على أحد حواف "ترعة الشيتي"، ليسمع من مجاوريه في جلسات الصيد تلك الحكايات عن الجنية التي تسكن تلك الترعة.
وما كان من إرتباطه بتلك الحالة الكرنفالية والتي صاحبت مولد أشهر أقطاب الصوفية في وسط الدلتا وهو "السيد البدوي".

ورغم ما كان من الحالة اﻹستثنائية المصاحبة لذكرى ميلاد هذا الولي من طقوس وعادات، ومصادفة موسمية لحصاد محصول القطن وغيرها دورًا هامًا في تشكيل خياله، كما لعبت تكاملية اﻹحتفالات بقدوم "سيرك عاكف" الشهير ومنافسه التقليدي "سيرك الحلو" دورًا في شحذ خياله وتذخيره، إلا أنّ طقسة "طلعة الخليفة" المصاحبة لمولد "السيد البدوي" كانت أكثر تلك الجوانب اﻹحتفالية تعلقًا في خلده.
وكانت طلعة الخليفة مشهدًا واقعيًا ثريًا له أكبر اﻷثر في نفس الفنان الكبير جميل شفيق، فكان يخرج الخليفة مُمتطيًا حصانه وتتبعه الطوائف الصوفية كُل بأناشيده وما يقترن بها من حالات للآداء الحركي حسب كل طريقة، والفنان الكبير جميل شفيق هو من ذلك الجيل الذي حظي بنوعية تعليم ذات علاقة بالضمير من قبل المنظومة التعليمية تجاه الطلاب والتلاميذ.

وقد مارس الرسم بشكل كبير طوال فترة دراسته ما قبل الجامعية، وتفوق فيه من خلال مشاركاته المدرسية والتي كان مستواها يتفوق على بعض تلك المستويات اﻷكاديمية الحالية، نظرًا لما كانت توليه وزارة "المعارف" في حينها من اهتمام بتلك الجوانب التربوية في مجالات الأنشطة.
وقد لعبت جدران مدرسة "اﻷحمدية" الثانوية في طنطا، والتي كانت تزتان برسوم الفنان الكبير "حجازى"، دورًا هامًا في توجيه قرار الفنان جميل شفيق نحو دراسة الفنون وممارسة ذلك الحلم وفتل غزله.
ومن جديد يحظى جميل شفيق بتلك الهدية القدرية، عند ما تقدم للإلتحاق بكلية الفنون الجميلة والتي كانت تُخضع طلابها آن ذاك لإختبارات قدرات، وكان وجوده وسط كوكبة من الزملاء الذين صارت لهم إسهامات حقيقية في المشهد التشكيلي المصري في ما بعد، فكان زملاء دفعته أمثال الفنان الكبير الدسوقي فهمي، والرائع محي الدين اللباد، والفنان الكبير عبد الغفار شديد، والمخرج الراحل فهمي عبد الحميد، والفنان مكرم حنين، والفنان والناقد الكبير عز الدين نجيب وغيرهم.

وكان من الطلاب الذين حظوا بالدراسة داخل إستديو "عبد العزيز درويش" أحد إستديوهات قسم التصوير في الكلية مع إستديو "بيكار" و إستديو "عز الدين حمودة" وزامله في القسم الفنان مصطفى حسين، والفنان نبيل تاج الذي كان يشاركه السكن مع الفنان محي الدين اللباد في حي العجوزة.
ذلك السكن الذي كان بمثابة ملتقى للعديد من الفنانين واﻷدباء، وكان يجاورهم فيه الفنان الكبير آدم حنين، وكانوا يجوبون القاهرة ليرسموا كل شيء وأي شيء يثير ملكات الطرح لديهم ومارسوا طقوس الفن اﻷولى في تسجيل إنطباعاتهم ودراساتهم في ما يتناولون من موضوعات.
وحظي الفنان جميل شفيق أيضًا بأن يكون طالبًا من طلبة الراحل الكبير ممدوح عمار، والذي كان يعمل رسامًا في "المجلة الزراعية" آنذاك، وجاءت بعثته إلى الصين لتتيح للفنان جميل شفيق الفرصة ليحل محله كرسام في "المجلة الزراعية" في أثناء فترة دراسته.

واستمر في العمل بها بعد تخرجه، وقد أتاحت تلك الوظيفة للفنان الكبير جميل شفيق فرصة أن يجوب القطر المصري ويسجل برسومه حالات مكانية وحياتية عديدة يذخر بها القطر المصري وينسج قماشته الخاصة والمميزة.
فتناول من خلال عمله كافة الموضوعات التي كانت تداعب خياله، نتيجة إتساع مثيرات الإبداع من خلال تنقله في بيئات مختلفة، تحمل كل منها عادات وتقاليد ومعالم وشخوص ومفردات مختلفة ومتنوعة، كما لعبت رحلته اﻷوربية في عام 1979 والتي زار خلالها بلدان مثل إيطاليا، والنمسا، وألمانيا، دورًا في إطلاعه على العالم الفني في تلك البلدان من أكاديميات عريقة ومتاحف قيمة ناهيك عن عمارة تلك البلدان الساحرة والتي سجلها في رسومه.

وكان لعمله أيضًا في المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم دورًا في زيارته إلى معظم أنحاء الوطن العربي وتوثيق ما تطاله عينه، وقد ظل طيلة الوقت يمارس مهنة الرسم الصحافي، وقد عمل فى أولى إصدارات مجلة "المجلة" والتي كانت تصدر عن وزارة "الثقافة"، وكذلك مجلة "الفنون الشعبية" وصولًا إلى عمله في جريدة "اﻷهرام ويكلي".
وطوال تلك الرحلة الشيقة والمليئة بذلك الكم من المفردات والتنوعات لم يقم الفنان الكبير "جميل شفيق" بعمل معرض شخصي حتى عام 1989 حين ما شجعه الفنان الكبير الوشاحي لإنشاء أول معارضه في أتيليه القاهرة، والذي حضره الفنان الكبير "حسين بيكار" وأطلق عليه " إلياذة شفيق".
وقد دخلت إلى عالم الرائع الفنان الكبير "جميل شفيق" منذ بداية تلك اﻷلفية من خلال متابعتي إلى أعماله التي كانت تجتذبني بشكل كبير لتسرح من خلالها عيني ويتبعها خيالي الذي يجتهد في تصور ما وراء المشهد، وكأني أحلم حلمًا داخل الحلم.
ولكن لقائي الحقيقي به من خلال إحدى ورش العمل الخاصة بفن الجرافيك والتي كان "شفيق" أحد الفنانين المدعوين إليها، وكنت أعتقد أنّ جميل شفيق واحدًا ممن مارسوا ذلك الفن نظرًا لتشابه أسلوب رسمه مع أسلوب تقنية الحفر الجاف في فن الجرافيك، إلا أننى فوجئت بأنها المرة اﻷولى التي يمارس فيها طرحه من خلال هذا الفن.
وكان يجلس هادئًا مبتسمًا تدور عينيه بين من حوله من الفنانين، ثم بدأ بسؤال أحد اﻷكاديمين عن طريقة التعامل مع ذلك القالب المعدني، وبعد أقل من 5 دقائق كان "جميل شفيق" يحمل إبرة الحفر لينقش بشكل مباشر أول أعماله في فن الحفر، وكان مُتعجلًا بعض الشيء ليعرف نتيجة التجربة، وليكتشف إمكانيات القالب الطباعي، وبدأ بتسليمي القالب، حيث كنت أقوم بدور المساعد له في تلك الورشة، وقمت بتحبير القالب وتجهيزه وإزالة زوائد الحبر بصورة لم أفعلها مع أي قالب طباعي قبل ذلك أو بعد، فقد كنت متشوقًا لمعرفة مدى نجاح تجربته الأولى تحديدًا مع ذلك التناول المختلف.
وطوال فترة تجهيزي لذلك القالب كنت أستشعر مدى قوته وتمكنه من ذلك الفن بتلك التقنية التي يعجز الكثير من متخصصي الحفر من التعامل معها بإفراط لمجهودها ودقتها، وعقب خروج النسخة الطباعية من "السلندر" رأيت أنه إن مارس فن الحفر بتقنيته الجافه سيكون واحدًا من مبدعية ومتمكني مفرداته، وكذلك كان الحال مع تجربته في الحفر البارز من قالب طباعي خشبي، وكان لي الحظ بأن أقوم بطباعة كافة تجاربة الأربعة التي أتمها في تلك الورشة، وأسعدني كثيرًا إهدائه لي لعملين منهم بتوقيعه.
وباﻹقتراب من تجربته في الرسم "باﻷبيض واﻷسود"، فإننا ندخل عالم الساحر جميل شفيق، ونعبر إلى جزيرة الكنز، ونرى ذلك الكون الساحر بمفرداته المميزة وعناصره النضرة.
بقطه المتقد الغريزة والمتحفز إلى تلك السمكة، والتي أتى بحلها من متجره الخاص بسلاسة أعجزت العديد من أصحاب الحلول، وبشخوص صيادية مصدري الشكر إلى السماء على الغنيمة من خلال إحتضانهم لأسماكهم في رقة وحنو، وفي تلك الجلسات المزدوجة والتي تجمع الرجل والمرأة في مشهد يتوقف عنده المتلقي كثيرًا، ليلمح مدى ما فيه من تجرد سامي من أي إبتذال مفتعل، وفرسه الدائم الظهور في غالبية أعماله وكأنه بمثابة مطيته التي يسافر من خلالها كل ليلة إلى عالم خياله، والذي مهما حاول إضافة الظلال إلى كتلته فقد كنت أراه بلون أبيض لؤلؤي، وكأنه يزتان بطبقة من الصدف المرن، وملحمياته التي يبرع في تكوين عناصرها ويوقعها في منطقة خاصة به، وبإسقاطات لينة فيخرج ملاحمه من فكرة تسجيل المشهد المكتظ، ونعومة خطوطه وعذوبتها التي تصل إلى حدود الرومانسية، وتتوغل وتختفي بين أشجارها اختفاء السترة لا إختفاء اﻹختباء.
وقراءتي لأعمال الفنان الكبير "العم" جميل شفيق" لا أستطيع أن أختزلها في قراءة عدة أعمال، فهو حالة من حالات اﻹستثناء اﻹنسانية قبل أن تكون حالة من حالات اﻹستثناء الفنية.
وأرى أنّ قراءة عناصره هي حجر الزاوية في تجربته الثرية والقيمة والمتنوعة المنتج، فهو يحمل تلك الجينات النقية للفنان اﻷصيل، فلا تحده الخامة ولا التقنية، فكما أجاد وأبدع في خطوطه باﻷبيض واﻷسود، وتلاعب بقوالب الطباعة في تجربة ممارسة فن الحفر، وتفوق في ضربات إزميله في أخشاب طرح البحر، وخرج علينا بمجموعة نحتية غاية في الرشاقة وتنضح بمعايير اﻵصالة.
وعلى الرغم من إختلاف الخامة والتناول فيها من أبعاد ثلاثة، إلا أنّ روحه في أعماله باﻷبيض واﻷسود لم تغادر منحوتاته أو قوالبه الطباعية اﻷربعة، وأشعر معها أنّ التغير في عالم صياغة خياله ما هو إلا تغير نوع الغزل الخاص به من خطوط إلى جزوع خشبية قذفها البحر له خصيصًا كهدايا ومنح تقديرًا له.
ودائمًا ما تأخذني أعمال الفنان جميل شفيق إلى ما وراء مشهدها الظاهر سواء كان مسطحًا في رسم باﻷبيض واﻷسود، أو في نسخته الطباعية من قالب معدني أو قالب خشبي، أو في كتلة من أخشاب طرح البحر، إلا أنّ عناصره ومفرداته وأدواته الظاهرة تفرض علي أيضًا الوقوف أمامها.
فالخطوط التي أتى بها في سلاسة والظل والنور الذي أسبله على جو العمل، فأرداه في توقيت بين الليل والنهار، والمفهوم الذي نغوص من خلاله باحثين عن حافز جميل شفيق الذي يأخذنا في متاهة شيقة لا نريد الخروج منها، فالخطوط لديه كانت عنصرًا مميزًا للغاية.
وباتت اﻷحبار السوداء على المسطح اﻷبيض والتي لا نجد فيها إتصالًا يحد منطقة بعينها، أشعرنا فيه بذلك الشعور المختلف مع رسمه، وأجبرنا على تميز أسلوبه بل دفعنا دفعًا نحو اﻹشارة إليه عند ذكر فناني الرسم باﻷحبار، والخطوط المتقاطعة في شكل حرف X كانت بمثابة سماكة ريشة قلمه، وفيها يصنع أبعاد عناصره ويصنع بعدها في ما بينها وبين بعضها البعض.
أمّا خطوطه المتراصة في إتجاه واحد فقد خدمت مفهوم جملته، وأضفت إليه العذوبة والنعومة، بل وصلت إلى حدود الرومانسية في كثير من الموضوعات حتى مجرد نقاطه، وتراصها في تزاحم أو في إرتياحية كانت بمثابة خامة غزل غاية في التناسق واﻹتساق مع مفهوم العمل، وأما الظلال واﻷنوار فقد أعطى الفنان جميل شفيق دروسًا في كيفية التعامل مع تلك المنطقة المهمة والضرورية للرسم باﻷبيض واﻷسود، وأضفي من خلالها على اﻷعمال درجة من درجات الشروح للمتلقي لاستساغة ما يقصده من غرض وهدف للعمل.
فالظل والنور لدى الفنان جميل شفيق من وجهة نظري هو من صنف الموسيقى البصرية التي يدفع بها لترافق المشهد لديه، وهي تقع في مسامعي وقوع تلك الوتريات العتيقة كآلة "الهارب" الفرعونية، وإن كانت تختلف عنها من حيث الشعور بدرجة من درجات الكلاسيكية الرخيمة، كما تسهم في إضفاء ذلك المناخ الرمادي الذي تسبح فيه الخيالات والأحلام، وكذلك أشعرني في بعض اﻷعمال بفضية ضوء القمر ورومانسيته وما يصدره لنا من تفاؤل وعاطفة.
أما مفهومه فقد أخذ ينتقل بي من عالم إلى أخر، ومن حالة إلى أخرى، ومن خيال إلى حلم إلى أمنية كنت أعتقد بموتهم وفنائهم داخل فلك خيالي، ولقد تناول في أعماله تخيلاته وأمنياته عن حدث قومي تارة وحالة مجتمعية "كاﻷعراس وفرحتها في بيئة معينة" تارة أخرى، كما تناول أحلام الرزق لدى الفقراء، وأوجاع الغرام لدى العشاق، وأمنيات البشر المحيطين به، وحتى سلوك الحيوانات الداجنة كالقط الذي اشتهرت به أعماله والذي صاغه بخصوصية عجيبة وسهلة ومنيعة في ذات الوقت، وأسماكه الرامزة إلى الرزق والوفرة والخير والنجاح والتي أتى بحلها في براعة حاذقة.
لقد طاف بي بين كل تلك الحالات دون ملل أو كلل، وأجدني إن حصل لي نوع من أنواع ودرجات اﻹشباع من الخطوط، فأجد ظلاله وأنواره تلتقطني، وإن طالني منها أيضًا درجة ملل، فتتدخل المفاهيم والمغزي ليتلقفني.
إنّ عالم الفنان الكبير واﻹنسان الرائع وسندباد الأبيض واﻷسود العم "جميل شفيق"، هو ذلك العالم الذي يمنح المتلقي تلك الرحلة الرائعة داخل نفسه وخياله وأحلامه وأمنياته، وهو بمثابة الباحة التي لا يستطيع غيره أن يقتحمها عليه، ففيها طموحه وحروبه وغرامه وعشقه ورمانسيته المفقودة في عالم مادي مشوب، وفيها فروسيته وإنتصارته، وفيها أميرة اﻷحلام بنعومتها وعذوبة صوتها ورقة لمستها.
وقد يجد كل متلقي لأعماله متنفسًا إلى ذاته الكسيرة تمنحها جبرًا لخاطرها، وتقتنص لها من شراسة العالم لحظات من اﻷلفة والسكينة.
ولا أجد كلماتي أبدًا تجاري مجرد خيط غزل رقيق في منسجوة خياله الوثير، فأنا لا أتحدث عن مجرد حالة فنان يمارس رسمًا باﻷبيض واﻷسود ولا يمنح إزميله فرمانًا ليحذف من جزع طرحه البحر فأنتج منحوتة كعرائس البحر، بل أتحدث عن حالة إنسانية إستثنائية تحمل تصالحًا مع ذاتها فكان نتاجها مساويًا "ملحمة غزل الخيال".
أرسل تعليقك