القاهرة - بلال رمضان
"لا يكتب الأدب على ضوء الحرائق" .. مقولة دائمًا ما يرددها أغلب النقاد والمثقفين أثناء حديثهم عن الأعمال الإبداعية التي تتناول حدثًا مهمًا في تاريخ الأمم، إلا أن البعض يستثني الشعر من هذه المقولة، معتبرًا أن هذا الفن لديه القدرة على التعبير عن اللحظة الآنية، ولكن هل إلى أي مدى يمكن للشعر "الحماسي" أن يصمد مع مرور الزمن، مشكلاً ديوانه المعبر عن اللحظة الآنية، ولحظة التأمل أيضًا، وانطلاقًا من هذه الرؤية جاز لنا أن نسأل ونحن نشهد مرور الذكرى الخامسة لثورة الخامس والعشرين من يناير 2011، عن الشعر وكونه الفن الأول الذي تحدث بلسان الثورة في الميدان؟ وعن قوة ما قُدم وقدرته على الخلود في ديوان العرب؟.
أكد الناقد الكبير الدكتور صلاح فضل، في تصريحات إلى "مصر اليوم" أن الشعر، وبخاصة العامية، لعب دورًا كبيرًا في الثورة بعد أن أصبح بيت أبو القاسم الشابي "إذا الشعب يومًا أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر" هو أيقونة الثورة، وشعارها الأساسي في مصر، وتونس، معًا، لكن شعراء العامية المصريين، ابتدء من عبد الرحمن الأبنودي، إلى هشام الجخ، وياسر قطامش، استطاعوا أن يعبروا في الميدان بشكل مباشر عن تطورات الموقف وطموح الجماهير وروحهم الثورية الملتهبة، وسرت العدوى إلى بعض الفنون الأخرى، فتحولت الأشعار إلى أغاني، امتدت في مشاهد مسرحية مرتجلة، قبل أن تنتقل إلى الجدران في لوحات تشكيلية ناطقة بالهتافات والشعارات الثورية.
وأضاف "فضل" هذا الأمر دفع بعض مؤرخي الفنون مثل كمال مغيث إلى أن يؤلف كتابًا كاملاً عن أشعار الثورة وهتافاتها وشعاراتها، وكانت الكلمات تصدر تلقائيًا بين لحظة وأخرى موزونة موقعة، فإذا اتصل الأمر بشخص الرئيس الأسبق، وما نسب إليه من تهريب للثروة هتهتف الجماهير "حسني مبارك يا طيار جبت منين 70 مليار" وهكذا أصبح كلام الثوار شعرًا، لأنه هو المناسب للغناء، وهو المناسب لتوحيد الصوت جماهيريًا، وبعد أن انطفأت نيران هذه الثورة، وتشتت في الشوارع، والصدامات غاب صوت الشعر، الذي ينطلق فقط مع الحماس، والفرح، لكنه لا يختلط كثيرًا بالدم.
أما الشاعر والمترجم الكبير رفعت سلاَّم، فكان له رأي آخر، وهو أن الشعراء المصريين لم يقدموا بعد أفضل إمكاناتهم وقدراتهم لهذه الثورة، لأن الأحداث لم تتوقف منذ كانون الثاني/ يناير 2011، وليست هناك نقطة في آخر السطر، ليعيد الشعراء النظر فيما جرى بتأمل ورصانة تليق بهذه الثورة النادرة.
ورأى "سلاَّم" أن ما تم تقديمه حتى الآن هو أقرب إلى الانفعال العاطفي بالثورة الذي تمت صياغته شعريًا من أن يكون إبداعًا شعريًا لائقًا وبمقام ثورة نادرة في التاريخ الإنساني كثورتنا، ومازلنا ننتظر الإبداعات المقبلة للشعراء.
وأضاف "سلاَّم" ورغم هذه الرؤية، فلم يغيب الشعراء لا عن الميدان ولا عن الثورة نفسها، إلى حد أنهم كانوا المبدعين الوحيدين الذين تفاعلوا مع الثورة، وكانت قصائد بعضهم زادًا للمغنيين الجدد المنتمين إلى الثورة، فلولا ذلك لما شهدنا تلك الأصوات الجميلة الجديدة، التي غنت طوال السنوات السابقة لثورتنا، لقد قاموا بالواجب المباشر، لكننا ننتظر ما هو أعمق، وما هو يليق سواءً بالثورة أو بالحركة الشعرية المصرية، وفي تقديري أنه لن يتأخر طويلاً من ذلك.
وبشأن ما قدم من قصائد حول الثورة، وقدرتها على البقاء زمنيًا، رأى "سلاَّم" أن أي انفعال مباشر بالأحداث أيًا ما كانت هو بالضرورة وبطبيعة الأمور قصير العمر، ويمكن أن تأتي موجة أخرى من الحدث نفسه، لتحيله إلى الماضي، وذلك ما يجعلنا ننتظر ما سيبقى من الشعر المصري ولدينا ثقة في قدرات الشعراء المصريين على ذلك.
وأضاف الشاعر الكبير عبد المنعم رمضان، أن الظن بأن الشعر هو المبدع الوحيد بين فئات المبدعين المختلفة، الذي يملك القدرة على الاستجابة الفورية للأحداث ظن يهين الشعر، قائلا "إن الشعر يحتاج إلى فترة حمل طويلة أو قصيرة".
وأوضح "مضان" أن الكتابات التي حدثت في أثناء الثورة أغلبها ليس لها من الشعر إلا اسمها، بينها ما هو صادق، وإذا شئت أن تقول كلها صادقة فسأوافقك، لكن الصدق لا يكفي لصناعة الفن، هناك صدق آخر غير صدق الحياة يسمى الصدق الفني، وهو يتطلب "فترة الحمل" هذه، لذلك نحن سمعنا أو غنينا بعض القصائد أيام الثورة، وكانت تشبه الشعارات، وأظن أننا نسينا أغلبها، حتى ما كتبه الشعراء أصحاب الخبرة، أيام ثورة 25 يناير 2011 كانت أدنى من الشعر، وأدنى من الحدث نفسه، حناجر الشباب في 25 يناير كانت هي الحناجر الشاعرة وليس شعر الشعراء، فإن ما افتقده الآن بعد مرور خمسة أعوام على الثورة هو أن الشعر لم يدركها حتى الآن، ربما لأن خونة الثورة كانوا كثيرين جدًا، وسريعين إلى تلبية الخيانة جدًا.
وبيَّن "رمضان" أن الشعر الآن يمكنه أن يبكي على الثورة، لا أن يغنيها، مضيفًا: "ما أنتظره الآن من شعراء كثيرين وأتوقع أنهم سيفعلونه هو كتابة مراثي الثورة، التي هي مراثي أحلامهم".


أرسل تعليقك