توقيت القاهرة المحلي 13:53:48 آخر تحديث
  مصر اليوم -

معرض سلمان "النقطة صفر" ينبض من داخل المعاناة ليقتنص البريق

حلب روح من التناقضات تواجه الموت لتستنشق الحياة وتعجن الدم بالحب أملًا

  مصر اليوم -

  مصر اليوم - حلب روح من التناقضات تواجه الموت لتستنشق الحياة وتعجن الدم بالحب أملًا

معرض سلمان "النقطة صفر"
دمشق - نور خوّام

لا يمتلك ثوار مدينة حلب، سوى بنادق "الكلاشنيكوف"، والرصاص القليل، في حربهم ضد الحكومة السورية، يقصف، ويحفر أرضهم الواسعة، قبرا لأهلها، وهناك حيث يحوم خطر القتل كـ"غراب نزق" متربص بأي موثق لما يجري، تنقّل المصور السوري مظفر سلمان، في العام ٢٠١٣، ما بين الأحياء الحلبية، وشهد أهوال الحرب مراقبًا مدينة حلب؛ تستحيل إلى ما يشبه غرفة معزولة خارج الزمن العالمي بعد حصارها والتنكيل الوحشي بالمدن السورية الثائرة الأخرى.

ووضع معرض سلمان "حلب النقطة صفر" المنظم داخل "بيت الصحافيين" في باريس، أمام الجمهور الأوروبي، منظارا مقربا؛ ليساعده في فهم حقيقة الثورة السورية، بعد تركها لسلميتها، إذ نرى في نحو ٧٥ صورة، من بينها ١٥ صورة معروضة على الواجهة الخارجية من مبنى البيت في شارع سان شارل، داخل حي الكانزيم، مكونات بصرية واقعية دالة، على إغراق حياة المقاتلين بالرتابة، فمع نضالهم من أجل الحرية وسط الدمار؛ لاصقوا الموت ومارسوا مواطنتهم البائسة، بأقصى درجات الشرود والتعب قبل غيابهم النهائي.

وتجري الأمور على نحو عادي في المجتمع الذي صوره سلمان، فالأب المقاتل يحمل ابنه النائم، أو ينتظر مع أطفاله سقوط الـ "سكود"، على التوالي، لا شيء يخيف المقاتل السوري، الإنسان البسيط يمشط شعره في الشارع، كما يمسد شعر طفلته الحاضنة قطتها المنزلية، فيما يقبض على سلاحه.

وأبرزت المقاتل في حلب، حيث يمتلك الوقت، ليأكل الرمان ليقشره بتأنٍّ ويتسلى بتجميع حباته الصغيرة، كما لو أنه يخزن الصبر في قلبه، ويمكن أن يأكل الرمان قرب جبهة القتال، لأن الحكومة السورية عاجزة أمامه؛ إلا عن الإبادة والقصف، كما يمكنه أن يقف على ميزان الوزن المنزلي، ليعاين كم كيلوغراما بقي من جسده، قبل مقتله، وأحد المقاتلين نسي أن يضع بارودته جانبا كان وزنها جزء من جسده، بينما يتأمل الرقم، وزن الروح لا يتضح؛ إلا للمتبصرين.

وفي "النقطة صفر"، أو داخل مركز قيادة "الجيش الحر" لجبهاته القتالية الأخرى، تتشكل من المباني السكنية، في حلب، كتلة إسمنتية واحدة مثل حصن عتيد وتتصل الأبنية بفوهات كبيرة مصطنعة؛ للتنقل بين البيوت المتلاصقة، ويجابه المقاتلون هناك، عنف أسلحة الجيش السوري وذخيرته، فضلًا عن عنف طيرانه الحربي، ومدفعيته الثقيلة.

ويصور الحقيقة، بالصعوبة ذاتها التي واجهها، حين ذهب مرة إلى استوديو للتصوير في دمشق، يحمل معه آخر فيلم "فوتوغرافي" التقطه والده للعائلة، بعد أكثر من ١٠ أعوام على وفاة الأب، وقتذاك ذكر المصور لسلمان أنّ هذا الفيلم لا يصلح، والصورة الوحيدة الظاهرة فيه، فاشلة، ورفض إلحاح الشاب، من أجل طباعة الصورة اليتيمة؛ لكنَّه عاد إلى مدينته حمص واحتفظ بالفيلم، ثلاث أعوام أخرى، ثم طبع الصورة بنفسه، بعدما أتقن الطباعة اليدوية.

وصورة واحدة أثيرت له مع أختيه، كانت هبة الغائب لمن في الأرض، هكذا تظهر حلب في المعرض، مثل لحظة فردية شخصية؛ لكنَّها معممة، على كل السوريين، فالمدينة تتيح لثائريها العيش الرتيب، على الرغم من الدمار، ليصور شخصيات هادئة، في شكل مفرط، لا تلتمع في عيونها سوى أحلام الحرية، شخصيات أتت من المدن الأخرى، لتنضم، إلى من يقاتل في حلب.

ومن جبهتي كرم الجبل، وصلاح الدين وجبهات أخرى، يسرد قصصا عن سوريين، امتزج دمهم مع خوفهم، وقلقهم مع موتهم، فيما يرى حلب من خلال صوره كما لو أنها "النقطة صفر" في ضمير البشرية؛ لكنَّ المتفرج في الصور، سينحي الشفقة الإعلامية العالمية، أو الشفقة المشوبة بعدم الاكتراث، جانبا، ليركز في رواية غير متوقعة، بعدما أضحت صورة السوري، المتفجر الرأس، والمقطع، والمنكل به، صورة مستهلكة من نموذج موت اعتيادي، لا يدمع، ولا يقلق، كأن البشرية، ترى "بورتريه" الإنسان السوريّ، في إطار التابوت الأسود وتقف أمام الإطار، متململة من نمطية الموت.

يظهر الإنسان السوري في "حلب النقطة صفر"، عنيد وضاحك، متألم وخاسر، يحبس كرامته في صدره، كما لو أنها آخر أنفاسه، وأيضًا في قمة إنسانيته وتساميه على حطامه، يأكل، وينام، ويغفو، ويقلق على موت عصفور البيت، يمنح الوقت الثائر في حلب، لحظات، ليسقي الشجر قرب داره، يعطيه فسحة، ليعلو بصوته، في التظاهرات الأخيرة، وليصلي في غفلة من القاتل، لكن من من من دون أن يبعد أسلحته الخفيفة عنه.
 
كان حتميا على السوري، في صوره، أن يكون طيبا خارجها، وخاسرا في كل شيء، لتتكون في برهة الصورة فرادته في التحمل، وما يقوله المعرض، أمر صادم ومختلف، عن نداءات سلمية الثورة، فمن البدهي في الثورة السورية، أن تكون المجابهة لإبادة حكومة الأسد، بسلاح لن يكون له قيمة قشة، أمام مجازر البراميل، أخيرا.

إنه سلاح سكان الأرض، فجلُّ السوريين المقاتلين ضدها، كان في حوزة، كل واحد منهم، ثلاث أو أربع رصاصات، وحصتهم من الأكل وجبة واحدة كل يومين، إذا، ما هي عقيدتهم؟ ليس الإيمان، في شكلٍ كلي؛ لكنّ الحكومة السورية سحقت الناس، عقودا، فأصبحوا من ماهية واحدةٍ، كلهم كقمح مطحون ومملوء في كيس كبير، أي أنهم بلا أي ملموس من الحرية، أو حتى المال، هذه الماهية صنعت قومية بديلة، ساعدت، على النضال الجمعي، لبشر هذه الأرض، ضدها.

ومن الممكن أنْ تنقذَ، تلك القومية الافتراضية، سورية، إلى حين تشكل قومية سورية، بكامل صحتها ونضارتها، صور تروي أكثر من وثائقيتها، وتقرأ نصا طويلا عن آلام عظيمة، فالسوريون صنعوا الأسلحة بأنفسهم، ليوقفوا الدبابات، ووجهوا ما صنعوه صوب العدو بمعدات بدائية، ربما لا تصيب الهدف.

وفي صورة التقطها أثناء رصده اليومي للمجريات يهرع الناس في أخطر منطقة من حلب داخل معبر بستان القصر، متحركين في اتجاهين، واحد إلى مناطق حلب الراضخة لسيطرة الحكومة، واتجاه آخر إلى حلب المحررة، تسحق هذه الصورة الحزن مع الغبطة؛ لأن حركة الناس تتحدى القنص، وهؤلاء السوريون يعبرون مكانا فيه موتهم، وما من إمكانية حتى للالتفات أو التوقف، إنْ سقط أحد منهم إذ عليهم الإسراع من أجل نجاتهم، لأنه موتهم محاصرين بلا مواد غذائية.

وفي حلب الحكومة، ليست أفضل من موتهم، هنا، عند الحد بين هشاشة الحقيقة وكارثة الواقع، ومن الذي سيمنع أحد هؤلاء العابرين، أو يوقفه عن رغبة الحياة، يحمل بيده، بطيخةً، ثمرةً كبيرة لعائلته، غريزة بقائه هزيمة حتمية للطغيان، والمعرض يحكي كثيرًا عن مشاهد خالدة، في حياة السوريين، في الحرب محاربون، وبشر عاديون محاصرون، في آن واحد.

أما السؤال الصعب، في الصور فعن إمكانية تحقيق الحب والثورة والسلام، معًا، يكون الجواب نسبيا؛ لكنَّ الاعتقاد الحاسم، بأنَّ اختلاط الدم مع الدمع والنار، حقق ذلك في الشكل الباطني، من الثورة السورية، فهنالك أبطال، من غير شفقة أو خيبة، ما زالوا يحبون الحياة والفرح، في مدينة حلب على الأقل.

egypttoday
egypttoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حلب روح من التناقضات تواجه الموت لتستنشق الحياة وتعجن الدم بالحب أملًا حلب روح من التناقضات تواجه الموت لتستنشق الحياة وتعجن الدم بالحب أملًا



الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حلب روح من التناقضات تواجه الموت لتستنشق الحياة وتعجن الدم بالحب أملًا حلب روح من التناقضات تواجه الموت لتستنشق الحياة وتعجن الدم بالحب أملًا



يتميَّز بطبقة شفّافة مُطرّزة وحواف مخملية

كورتني كوكس تُهدي فُستانًا ارتدته قبل 20 عامًا لابنتها كوكو

نيويورك ـ مادلين سعاده

GMT 03:24 2019 الإثنين ,17 حزيران / يونيو

"دولتشي آند غابانا" تُقدِّم عبايات لخريف وشتاء 2019
  مصر اليوم - دولتشي آند غابانا تُقدِّم عبايات لخريف وشتاء 2019

GMT 06:16 2019 الإثنين ,17 حزيران / يونيو

أغلى فيلا في تايلاند مقصد للمشاهير ومُحبي الفخامة
  مصر اليوم - أغلى فيلا في تايلاند مقصد للمشاهير ومُحبي الفخامة

GMT 09:04 2019 الإثنين ,17 حزيران / يونيو

ديكورات مستوحاة من الطبيعة للجلسات الخارجية
  مصر اليوم - ديكورات مستوحاة من الطبيعة للجلسات الخارجية

GMT 02:48 2019 الإثنين ,17 حزيران / يونيو

أرخص 10 بلدان أوروبية لقضاء عُطلة صيفية لا تُنسى
  مصر اليوم - أرخص 10 بلدان أوروبية لقضاء عُطلة صيفية لا تُنسى

GMT 03:37 2019 الأحد ,16 حزيران / يونيو

7 محظورات و 5 نصائح لتأثيث غرف نوم مميزة للأطفال
  مصر اليوم - 7 محظورات و 5 نصائح لتأثيث غرف نوم مميزة للأطفال

GMT 12:48 2019 الخميس ,10 كانون الثاني / يناير

تعرف على تاريخ مصر القديمة في مجال الأزياء والموضة

GMT 03:59 2018 الأحد ,28 كانون الثاني / يناير

تفاصيل جديدة في حادث الاعتداء على هشام جنينه

GMT 10:53 2018 الأربعاء ,17 كانون الثاني / يناير

العلماء يحذرون عشاق "شاي الأكياس" من المخاطر الصحية

GMT 15:26 2018 الجمعة ,12 كانون الثاني / يناير

ميلان يضع خُطة لإعادة تأهيل أندريا كونتي

GMT 09:19 2018 الثلاثاء ,02 كانون الثاني / يناير

وصول جثمان إبراهيم نافع إلى مطار القاهرة من الإمارات

GMT 08:13 2018 الإثنين ,01 كانون الثاني / يناير

التغذية غير الصحية كلمة السر في الشعور بالخمول

GMT 09:09 2017 الخميس ,28 كانون الأول / ديسمبر

طارق السيد ينصح مجلس إدارة الزمالك بالابتعاد عن الكرة

GMT 00:47 2017 الثلاثاء ,26 كانون الأول / ديسمبر

أمن الإسماعيلية يرحب باستضافة المصري في الكونفدرالية

GMT 18:22 2017 السبت ,09 كانون الأول / ديسمبر

القدر أنقذ ميسي من اللعب في الدرجة الثانية

GMT 09:28 2016 الخميس ,18 شباط / فبراير

عرض فيلم "نساء صغيرات" في الإسكندرية
 
Egypt-Sports

All rights reserved 2026 Arabs Today Ltd.

All rights reserved 2026 Arabs Today Ltd.

egyptsports egyptsports egyptsports egyptsports
Egypttoday Egypttoday Egypttoday
Egypttoday
بناية النخيل - رأس النبع _ خلف السفارة الفرنسية _بيروت - لبنان
Egypt, Lebanan, Lebanon