جبهات عدة يحارب من خلالها البنك المركزي المصري من أجل وقف ظاهرة "الدولرة"، التي تُضعف من قيمة الجنيه مع نشاط حركة السوق السوداء لبيع الدولار في مصر، وكان آخرها رفع سعر الفائدة بنسبة 1.5% باجتماع لجنة السياسة النقدية مساء الخميس لتصل إلى 10.75% للإيداع، و11.75% للإقراض, هذا الإجراء رغم أهميته للسياسة النقدية في إمتصاص السيولة من السوق من أجل تخفيض معدلات التضخم وتقليل ظاهرة "الدولرة"، إلّا أن آثاره ستكون بالغة السوء على السياسة المالية حيث تقترض الحكومة من البنوك المحلية ما يقرب من 200 مليار جنيه كل ثلاثة أشهر، وسيمثل إرتفاع سعر الفائدة على هذا الإقراض مزيدًا من الضغوط على موازنة الدولة وبالتالي قدرها على الوفاء بالتزاماتها لسداد قروضها المحلية والخارجية على المدي البعيد والمتوسط، بل والمدى القصير للقروض قصيرة الأجل.
والهدف الرئيسي الذى قرر من أجله المركزي في إجتماعه الأخير رفع أسعار الفائدة هو محاربة ظاهرة "الدولرة"، والتي تُعني إستبدال العملة المحلية بالعملة الأجنبية، وبصورة واسعة النطاق، مما يزيد حدة المضاربة على الدولار وإرتفاع سعره في السوق السوداء.
و"الدولرة" كما يشرحها وزير المالية, ورئيس الوزراء, الأسبق الدكتور حازم الببلاوي، في مدونته على الشبكة العنكبوتية، تشبه قرضًا حسنًا لا يرد تقدمه الدولة وهي (إعادة دولة فقيرة مثل مصر), إلى الدولة المصدرة للعملة الأجنبية المتداولة، فالدولارات المتداولة في السوق المحلية لم نحصل عليها منحة، وإنما تم الحصول عليها مقابل موارد وطنية, (سلع مصدرة)، أو جهود وخدمات العاملين في الخارج أو حقوق الإستثمارات الأجنبية - والدولار المتوافر في التداول هو، في حقيقة الأمر، قوة شرائية على الاقتصاد الأميركي، بمعنى أن حامل هذا الدولار من المواطنين يستطيع أن يشتري به أية سلعة أو خدمة معروضة للبيع في الإقتصاد الأميركي أو السوق العالمية نظراً للدور العالمي للدولار, وبذلك فإن حامل الدولار هو دائن في الواقع للاقتصاد الأميركي, أو للاقتصاد العالمي بهذه القيمة، وعندما يستخدم هذا الدولار في التداول المحلي، فمعنى ذلك أنه لن يستخدمه للحصول على سلع من السوق الأميركي، أي أن الدائن حامل الدولار يُفضّل تجميد دينه، والإحتفاظ به وعدم المطالبة به، لأنه سوف يظل متداولاً في الإقتصاد المحلي بعيداً عن المطالبة بتحويله إلى سلع وخدمات أميركية.
وبحسب الببلاوي فإن الدولة التي تقبل بـ"الدولرة" تُقرر في نفس الوقت منح الإقتصاد الأميركي, (على حساب الاقتصاد القومي), قرضاً حسناً بلا فوائد, ولا مطالبة في المستقبل، ولعل الأدق القول أنه ليس قرضاً حسناً بل هو منحة، وهي منحة من الفقير للغني.
ولذلك لم يكن غريباً أن يرى السناتور الأميركي كوني ماك "Connie Mack" عضو مجلس الشيوخ عن ولاية فلوريدا أنه من الطبيعي على الولايات المتحدة أن تشجع الدول الأخرى على الأخذ بـ"الدولرة" بشرط أن تقدم الولايات المتحدة لهم مجاناً كميات من الدولارات اللازمة للتداول في إقتصادها المحلي، وقدم اقتراحه في عام 1999, باعتباره رئيساً للجنة الإقتصادية المشتركة, إلى الكونغرس، ولكن اقتراحه لم يناقش، حيث أن بعض الدول أخذت بالفعل بـ"الدولرة", دون طلب لتعويضها عن هذه التكلفة وبالتالي لم يكن هناك ضغط خارجي لذلك، فلماذا التبرع لهؤلاء الفقراء الكرماء الذين يقدمون قروضهم مجاناً للولايات المتحدة الأميركية؟!
وقال الببلاوي في مدونته أنه مع "الدولرة" تفقد الدولة حريتها في إستخدام سياستها النقدية، ولا يقتصر الأمر على حرمان الدولة من حق إستخدام سياستها النقدية بل أنها تخضع في الواقع للسياسات النقدية لدولة العملة المتداولة، والأخذ بـ"الدولرة" ليس فقط تنازلاً عن أحد السياسات الوطنية بل هو خضوع في نفس الوقت لسياسة نقدية أجنبية, وبالتالي نرى أن ظاهرة "الدولرة" تستحق جهودًا مضنية من السياسة النقدية لأن يتم القضاء عليها، حتى لا يُقدم الاقتصاد المصري الفقير قرضًا حسنًا للاقتصاد الأميركي القوي، وهو ما يسهم في تحقيقه القرار الأخير برفع سعر الفائدة على الإقراض والإيداع.
الخبير المصرفي عضو مجلس إدارة بنك القاهرة، محمد بدره، قال إلى "مصر اليوم"، أن خيار رفع أسعار الفائدة هو الطبيعي في الوقت الحالي لتوظيف أموال البنوك وسحب السيولة من السوق، للقضاء على ظاهرة "الدولرة"، في ظل عدم قدرة الحكومة على السيطرة على السوق السوداء لبيع الدولار, وأشار بدره إلى أن طرح البنوك العامة شهادات استثمار بفائدة 12.5%، ثم شهادات بنكية مقابل الدولار بسعر فائدة أعلى 15%، وأخيرًا قرار رفع أسعار الفائدة على الإيداع والإقراض بنسبة 1.5% هو السبيل أمام الحكومة لامتصاص السيولة وتحجيم السوق السوداء للدولار.
وعن الآثار السلبية المتوقعة من زيادة الفائدة على موازنة الدولة، قال الخبير المصرفي: "الحكومة ليس أمامها سوى القبول بسعر الفائدة المرتفع على اقتراضها في الوقت الحالي، لأنها لم تقم بإجراءات حقيقية نحو زيادة المواد المالية الحقيقية لتضييق فجوة عجز الموازنة".
وشهد آخر عطاء طرحته وزارة المالية المصرية لبيع سندات خزانة لأجل سنوات الاثنين الماضي، ارتفاعًا غير مسبوق لأسعار الفائدة والتي تخطت حاجز الـ17% لأول مرة، وقبلت الحكومة بيع السندات بسعر الفائدة المرتفع رغم رفضها الأسبوع السابق لعطاء مماثل بسعر فائدة أقل بنسبة 16%.
وأوضح عضو مجلس إدارة بنك القاهرة، أن ارتفاع أسعار الفائدة بهذه الصورة ليست هي المرة الأولى، حيث شهدت فترة الثمانينات وأوائل التسعينات رفع الفائدة على الاقتراض الحكومي بنسب تراوحت بين 18 – 20% حتى يمكن القضاء على ظاهرة "الدولرة"، وعند انتهاء الظاهرة عادت أسعار الفائدة إلى لمعدلاتها الطبيعية مرة أخرى.
و رأى أستاذ المحاسبة في أكاديمية الشروق، الدكتور نبيل عبد الرؤوف، أن قرار المركزي برفع أسعار الفائدة سيكون له أسوأ الأثر على السياسة المالية التي تُعاني من عجز متفاقم في الموازنة العامة وتخطى المعدلات الآمنة للدين العام، المرشحة لمزيد من الصعود مع ارتفاع العائد على الدين, وأشار عبد الرؤوف إلى "مصر اليوم"، إلى أن إرتفاع سعر الفائدة على السندات الحكومية لمعدلات قياسية وحتى قبل قرار المركزي برفعها، جاء نتيجة وجود مخاطر عالية لإقراض الحكومة، في ظل عدم وجود موارد مالية حقيقية لديها يمكنها سداد ديونها، موضحًا أنه كلما كانت مخاطر الإقراض للدولة مرتفعة، كلما زادت أسعار الفائدة على إقراضها.
وأوضح أن تراجع وزارة المالية عن رفض طرح سندات بسعر فائدة مرتفع رغم تأثيراته السلبية على عجز الموازنة ومعدلات الدين العام، يكشف وجود مخاوف لدى الجهات المقرضة من إقراض الحكومة لصعوبة الموقف الاقتصادي، وانخفاض القيمة الحقيقية للعملة المحلية.
وأكّد عبد الرؤوف على أن إستمرار هذا الوضع يهدد بكارثة لأن إرتفاع الفائدة يزيد من أعباء عجز الموازنة والدين العام الذى تخطى الحدود الآمنة، حيث تجاوز الدين الحقيقي حجم الناتج المحلي، في وقت تظهر فيه الدراسات الدولية أن الدين العام لا يجب أن يتخطى 60% من الناتج المحلى، وتنخفض هذه النسبة بالنسبة للدول النامية وذات الإقتصادات المنخفضة مثل مصر، وهو ما تخطيناه بكثير.
أرسل تعليقك