القاهرة - محمود حساني
أبدى عدد من الخبراء المعنيين بالتعليم في مصر، قلقهم تجاه تزايد ظاهر العنف في المدارس، والتي تفاقمت بشكل مخيف خلال السنوات الخمسة الأخيرة، معتبرين أن ذلك مؤشرًا يُنذر بالخطر الشديد تجاه العملية التعليمية بأكملها ومستقبل مصر، ما لم نتحرك عاجلاً لمواجهة هذه الظاهرة والقضاء عليها.
واتفق الخبراء أن تفشي هذه الظاهرة خلال الفترة الأخيرة يعود إلى غياب دور الأسرة والمدرسة، ومشاهد العنف التي تبثها وسائل الإعلام التي تدخل البيوت من غير استئذان، لاسيما ما تضمنته الأفلام والمسلسلات الأخيرة، من مشاهد عنف يتباهى بها الممثلون القائمون بهذه الأدوار لاسيما الشباب منهم، وهو ما يجعل الطلاب يحتذي بهم ويتخذهم قدوة، ومن ثم يقوم بتقليد مشاهد العنف التي شاهدها في وسائل الإعلام وتطبيقها على أرض الواقع .
وشهد العام الماضي، العديد من حالات التعدي على المدرسين، أبرزها اعتداء طالب على معلم اللغة الإنجليزية في مدرسة تمى الأمديد الثانوية العامة في محافظة الدقهلية، حيث صدم المعلم بالبوابة الحديدية الخاصة بالمدرسة وأصابه إصابات بالغة بالرأس ما أدى إلى جرح قطعى احتاج إلى 8 غرز. وتسببت محاولة أحد مدرسي مدرسة طلعت مصطفى الإعدادية في الإسكندرية، فض مشاجرة نشبت بين اثنين من التلاميذ في أن يفقد أحد عينيه، بعدما تلقى ضربة بعصا من أحد التلاميذ، مما أدى إلى تصفية إحدى عينيه.
وفي سابقة هي الأولى من نوعها، أقدم طالب ثانوي في الدقهلية، على تجريد معلمه من ملابسه وانهال عليه ضرباً في باحة المدرسة أمام إدارة المدرسة والطلبة من دون أن يستطيع أحد التدخل، وقد كان المعلم قد وجّه تحذيرات إلى الطالب بسبب ملابسه غير اللائقة التي يرتديها في المدرسة، ولم يلتفت الطالب لتنبيهات معلمه بل انهال عليه ضرباً وجرده من ملابسه فيما هدده بالانتقام منه ومن عائلته على مسمع ومرأى من كل المدرسة.
وشهدت مدرسة العتامنة الإعدادية في محافظة سوهاج، واقعة مؤسفة، حيث اُعتدي على معلم، وتمت إصابته في عينيه ووجهه بعد أن قام المعلم بضرب الطالب بالعصا في طابور الصباح. وأقدم طالب في الصف الثاني الثانوي في مدرسة حسين جلال، في مركز سمسطا في محافظة بني سويف، على سبّ وضرب المدرس أثناء أدائه امتحانات العملى بنهاية العام الدراسى، كما وجّه إلى المدرس عدة لكمات بالرأس والوجه، انتقل على إثرها إلى المستشفى.
واعتدى 4 طلاب في المرحلة الإعدادية في محافظة كفرالشيخ، على مدير المدرسة من خلال قذفه بالحجارة وسبّه بألفاظ نابية، نظرا لاستنكار المدير لسلوك الطلاب ومطالبتهم بالانضباط أثناء الطابور الصباحى. وأوضح مصدر مسؤول في المركز المصري لحقوق الإنسان، الذي يرصد أوضاع التعليم والعنف في المدارس، أنه تم رصد 31 حالة عنف مدرسي، منذ بدء العام الدراسي الجديد، الذي انطلق في 24 أيلول/سبتمبر الماضي، مبيناً أن هذه الحالات تم الكشف عنها إعلامياً، خلاف الحالات التي لم يتم الكشف عنها إعلامياً من جانب القائمين على العملية التعليمية، خوفاً منهم عدم الإساءة إلى العملية التعليمية على حد قولهم.
وأضاف المصدر في تصريحات خاصة لـ " مصر اليوم"، أنه تم رصد حالات عديدة كان يقوم فيها أهالي التلاميذ بالاعتداء على المعلمين بالضرب المبرح، بالإضافة إلى الاعتداء على التلاميذ من قبل المعلمين في الفصول وفي فناء المدرسة،، وبالرغم من رصد كثير من الاصابات الناتجة عن هذه الاعتداءات، إلا انه لم يتم اتخاذ العقاب اللازم أو الاجراءات الادارية اللازمة لمواجهة هذه الظاهرة.
وتقول أستاذة علم الاجتماع في جامعة القاهرة، الدكتورة تغريد حسين، إن العنف بصفة عامة، هو سلوك أو فعل يصدر عن طرف قد يكون فردا أو جماعة يحدث أضرارا جسدية أو معنوية ونفسية ويكون باللسان أو بالجسد أو بواسطة أداة. وتضيف أستاذة علم الاجتماع لـ " مصر اليوم " ،:" أنه يمكن من خلال التعريف السابق، تعريف العنف المدرسي على أنه، مجموعة السلوكيات غير المقبولة اجتماعياً، والتي من شأنها أن تؤثر سلبا على النظام العام للمدرسة سواء مورست داخل حرم المؤسسة التربوية أو خارجه".
وترى الدكتورة تغريد، أن هناك ثلاثة أسباب رئيسية وراء تفاقم هذه الظاهرة خلال الفترة الأخيرة، أولها غياب دور الأسرة وإنشغال الوالدين بتدبير متطلبات المعيشة، وغياب دور المدرسة، فالم تعد كما كانت في الماضي مكاناً لتهذيب الطلاب وتربيتهم، وثالثاً وسائل الإعلام، التي تلعب دوراً كبيراً في تشكيل وعي الطلاب، من خلال مشاهد العنف التي تبثها، مطالبة وزارة التربية والتعليم، بدراسة هذه الظاهرة، من جميع جوانبها، ومواجهتها، لما تحمله من خطورة كبيرة على المجتمع .
بينما يرى عميد كلية الأداب السابق في جامعة القاهرة، الدكتور حسين عبدالعليم، أن تفاقم هذه الظاهرة يعود بالأساس إلى المعلم، قائلاً :"عندما تهاوَن المعلم في علاقته مع الطلاب، ووصل الأمر ببعضهم إلى التعامل مع الطالب كأنه صديق أو صاحب، وليس كطالب، وأصبح للمصالح الشخصية مجال بين المعلم والطالب، فتقلصت مساحة الاحترام، واختفت رهبة الطالب من معلمه .
وأضاف عميد كلية الأداب السابق :"عندما يصل الأمر في العلاقة بين الطالب والمعلم إلى هذا الحد من المؤكد أن تأثير المعلم في طلابه سينعدم ويفلت زمام أمرهم لأن الرقيب (المعلم) دوره يكاد يكون منعدما، ولن يستطع أن يكبح جماح الطالب المثير للشغب أو العنف، مطالباً أن مواجهة هذه الظاهرة، ليس في يد وزارة التربية والتعليم وحدها، بل في يد جميع مؤسسات الدولة والمجتمع، داعياً مجلس النواب إلى ضرورة فتح هذا الأمر تحت قبة البرلمان، لخطورة هذه الظاهرة، وتغليظ العقوبات المقرّرة على الطلّاب في هذا الشأن كأن تصل إلى الفصل النهائي من المدرسة، لكل من تثبت إساءته للمدرس أو التعدى عليه بالضرب أو السبّ، أو أي أحد من العاملين في المدرسة، أو إتلاف أثاث المدرسة.


أرسل تعليقك