كثيراً ما يتردد على لسان الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، في خطاباته ولقاءاته مصطلح "حروب الجيل الرابع" ، وكان آخرها خلال الكلمة التي ألقاها، الاسبوع الماضي، أثناء افتتاح المرحلة الأولى من مشروع المليون ونصف المليون فدان في الفرافرة ، محذرًا من خطورتها وتوابعها ، ضاربًا مثال لها على ما يحدث في الأراضي السورية والليبية .
ولم ينتبه الكثير لهذا المصطلح ، لكونه غير دراج ، ولم يتوقف أمامه سوى الخبراء العسكريين والاستراتيجيين ، مؤكدين على أن "حروب الجيل الرابع" ، نوعًا مستحدثًا من الحروب ، اخترعتها الولايات المتحدة الأميركية ، لتحقيق أهدافها ومصالحها في منطقة الشرق الأوسط ، من خلال استهداف الدول العربية وزعزعة أمنها واستقرارها ، دون أن تشن أي عدوان خارجي عليها ، يرهق أداتها العسكرية ويستهلك جنودها ويضع في حرج أمام المجتمع الدولي.
واتفق الخبراء العسكريين على أن حروب الجيل الرابع ، هي حرب أميركية بحتة طُورت على يد الجيش الأميركي ، وعرفوها على أنها " الحرب اللامركزية " ، حيث وجد الجيش الأميركي نفسه يحارب " لا دولة " بعد أحداث الـ11 أيلول/سبتمبر 2001 ، بمعنى محاربة تنظيمات منتشرة حول العالم ، وهذه التنظيمات محترفة وتملك إمكانيات ممتازة ، ولها خلايا خفية تنشط لضرب مصالح الدول الأخرى الحيوية كالمرافق الاقتصادية وخطوط المواصلات ، لمحاولة إضعافها أمام الرأي العام الداخلي ، ومثال هذه التنظيمات " حزب الله, وجماعة الإخوان المحظورة, وتنظيم داعش المتطرف".
وتعتمد حروب الجيل الرابع ، ليس على القوة العسكرية كما هو معتاد في الحروب التقليدية، وإنما تعتمد على القوى الناعمة والحرب المعلوماتية من خلال وسائل إعلامية وقنوات تابعة لدولة المعادية ، وزرع الخونة والعملاء داخل الدولة المستهدفة .
وأكد الخبراء على أن تطبيق هذا المصطلح ظهر بقوة في المنطقة العربية ، خلال أحداث ما يعرف بـ " الربيع العربي " ، حيث وجدت الولايات المتحدة الأميركية ، المناخ ملائم لها لتحقيق أهدافها ، المُحددة سلفاً، وبالفعل تمكنت من إسقاط خمسة أنظمة حاكمة وهي " تونس, ومصر, وليبيا, وسورية, واليمن" ، في أولى خطوات مخططها ، وقامت بتصعيد التيارات الدينية ، في ثاني خطوات المخطط, وأشار الخبراء إلى أن مصر كانت في طريقها إلى السقوط ، لولا يقظة القوات المسلحة وشعبها ، الذي تدارك هذا المخطط الذي يُحاك لبلده مبكرًا .
ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي ، اللواء طلعت مسلم ، أن هناك أربعة أنواع من الحروب وهي "حروب الجيل الأول والثاني والثالث والرابع" ، ويعد أخطرها الأخير "حروب الجيل الرابع" ، لكون العدو فيها داخلي وجزء من الدولة المستهدفة .
وأضاف إلى "مصر اليوم" أن حروب الجيل الأول ، كانت سائدة خلال القرون الماضية ، وتتمثل في حرب تقليدية بين دولتين لجيشين نظاميين ، وهي لم تعد موجودة خلال العصر الحديث ، نظرًا لما شهده العالم من تطور سريع في العلم والتكنولوجيا ، وتغير موازيين القوى ، بعد أن كانت الولايات المتحدة الأميركية هي التي تهيمن على العالم عسكريًا واقتصاديًا، تغيرت موازيين القوى ولم تعد الولايات المتحدة كما كانت من قبل.
وتابع قائلاً: " حروب الجيل الثاني لا تختلف كثيرًا عن حروب الجيل الأول ، سوى أنها حرب بين عصابات وليست بين دول ، كالحروب التي كانت تشهدها دول أميركا اللاتينية ، بينما كانت الحرب التي شنتها الولايات المتحدة الأميركية على العراق عام 2003 ، تندرج تحت مصطلح "حروب الجيل الثالث" ، والتي اتخذت فيها "القضاء على التطرف" ، مبرراً لحربها.
واستطرد " مسلم " ، أن ما نراه الآن في المنطقة، يعد نموذجاً لتطبيق حروب الجيل الرابع ، ففي كل من تونس وليبيا ومصر واليمن ، تم استخدام جزء من الشعب كأداة للمواجهة ، حيث تم استخدام جماعة الإخوان المحظورة ، في كلاً من تونس ومصر وليبيا ، كأداة لمواجهة مؤسسات الدولة وإحداث حالة من الفوصي وعدم الإستقرار ، والنيل من المؤسسة العسكرية ، واستهدافها كما نرى الآن العمليات المتطرفة ، التي ينفذها عناصر تنظيم " أنصار بيت المقدس " في شمال سيناء ضد قوات الجيش والشرطة .
ويرى مستشار أكاديمية ناصر العسكرية ، اللواء محمد الغباري ، أن الولايات المتحدة لجأت إلى هذا النوع من الحروب ، بعد أن رأت حجم الخسائر التي تكبدتها جراء حربها في العراق وافغانستان ، والتي كانت بكورتها الهجمات المتطرفة في 11 أيلول/سبتمبر 2001 ، والتي راح ضحيتها الألاف من أبناء شعبها ، علاوة على ذلك تغير موازيين القوى لصالح دول أخرى بعد أن كانت قاصرة على الولايات المتحدة ، كل هذه الدوافع كانت سبباً في انتهاجها حروب الجيل الرابع لتنفيذ مخطط الشرق الأوسط الجديد .
وأضاف إلى "مصر اليوم" ، أن الولايات المتحدة اعتقدت في بادئ الأمر أن مخططها في طريقه إلى التنفيذ والتطبيق على أرض الواقع ، عندما رأت أنها نجحت في إسقاط أربعة دول عربية ، وكان ما يهمها بالأساس هو أن تسقط مصر ، لكونها العمود الذي تستند إليه الدول العربية ، إلا أنها تفاجأت بثورة 30 يونيو/حزيران ، التي اسقطت ذراعها في مصر جماعة الإخوان المحظورة ، وبعدها في تونس .
وتابع أن هناك قطاع عريض من المواطنين من بينهم الشباب وطلبة الجامعات ، لا يعرفون شئ عن هذا النوع من الحروب ، على الرغم أن الرئيس السيسي تحدث عنها أكثر من مرة ، وحذر من خطورتها وتوابعها ، ومع ذلك لم تقم وسائل الإعلام بدورها في تسليط الضوء عليها ، مطالباً الدولة والمؤسسات المعنية كوزارة التربية والتعليم ووزارة الشباب والرياضة ، عقد لقاءات ودروس حول حروب الجيل الرابع ، وما تمثله من خطورة على الأمن القومي المصري.
ويتفق معه قائد الحرس الجمهوري الأسبق ، والخبير العسكري ، اللواء محمود خلف ، ضرورة عقد ندوات في المدارس والجامعات ومراكز الشباب والأندية ، حول حروب الجيل الرابع ، لاسيما أن الشباب هو المستهدف من الدول المعادية التي تنتهج هذا النوع من الحروب.
أرسل تعليقك