أعد المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية في القاهرة دراسة مفصلة يرصد فيها الهجمات المتطرفة على باريس، وأسبابها المُحتملة وتأثيراتها على منطقة الشرق الأوسط.
وأكدت الدراسة أن تأثيرات تلك الأعمال المتطرفة ستتجاوز حدود فرنسا، لتصل إلى منطقة الشرق الأوسط، ورجحت أن تكثف فرنسا في المرحلة المقبلة من أنشطتها العسكرية في سورية، لاسيما عمليات القصف الجوي لمواقع داعش، مما سيصب في مصلحة القوات الحكومية السورية، فضلًا عن فرض مزيد من القيود على استقبال اللاجئين، خصوصا من سورية والعراق، بالتزامن مع مزيد من التضييق على اللاجئين الموجودين بالفعل في الأراضي الفرنسية، مما قد يدفعهم للرحيل إلى دول أوروبية أخرى.
وأوضحت الدراسة التي أعدتها مجموعة تحليل الأزمات في المركز الإقليمي، المعنية بمتابعة وتحليل الأزمات التي تقع في الإقليم، في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية، وتحمل عنوان "مشهد متكرر:التفسيرات المحتملة لإعادة استهداف داعش لفرنسا"، أن هناك ثمانية أسباب وراء استهداف فرنسا من داعش ،هي:
1- الطبيعة العلمانية المتشددة للنموذج الفرنسي، والتي قد تصل إلى التطرف في بعض الأحيان، وبالتالي فإن مسألة المساس المستمر بالأديان بخاصة مقدسات الدين الإسلامي تعتبر من الأمور المتكررة في فرنسا، وتعد قضية الرسومات المسيئة للرسول في صحيفة "تشارلي إيبدو" منذ شهور إحدى أبرز الأمثلة على ذلك.
غير أن الإشكالية تتفاقم مع عدم اتخاذ السلطات الفرنسية أي خطوات للحيلولة دون تكرار مثل هذه الحوادث، فضلًا عن تبرير تلك التصرفات ووضعها في إطار حرية الرأي والتعبير، وهو الأمر الذي يزيد من شعور بعض المسلمين في فرنسا بالاحتقان، فضلًا عن استغلال التنظيمات المتشددة لتلك الحوادث لتبرير أعمالها في إطار سياسة الرد على الإساءات المستمرة للدين الإسلامي ومقدساته.
والجدير بالذكر أن الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند في إطار ترسيخه مبدأ علمانية النظام كان قد أطلق في نيسان/ أبريل من عام 2013 مرصدًا جديدًا للعلمانية، وطلب منه تقديم أفكار جديدة بشأن حماية المجال العام من الضغوط الدينية.
2- تغير الموقف الفرنسي اتجاه تنظيم "داعش"، فعلى الرغم من رفض فرنسا الانضمام للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة لمواجهة التنظيم في سورية والعراق طيلة الفترة الماضية، إلا أن الموقف قد تغير أخيرًا، حيث شنت المقاتلات الفرنسية عدة غارات على بعض المواقع النفطية التابعة لداعش في شمال شرق سورية في تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري.
3- التقارب بين فرنسا والبلدان التي تحارب التطرف في المنطقة، حيث شهدت الشهور الأخيرة تقاربا شديدا بين فرنسا من جانب، وعدد من البلدان العربية لاسيما تلك التي تقود حرب شرسة ضد التنظيمات المتطرفة من جانب آخر، واتخذ هذا التقارب مسارين؛ أولهما تكثيف الرئيس الفرنسي زياراته إلى دول المنطقة، التي تواجه التطرف، والمسار الثاني يتمثل في عقد فرنسا عددا من صفقات الأسلحة لدول المنطقة على رأسها مصر على خلفية توقيع اتفاق بتوريد 24 طائرة من طراز "رافال"، خلافًا لتوقيع عقود شراء سفينتين حربيتين من طراز "ميسترال"، كما تسلمت لبنان في نيسان الفائت من فرنسا 250 آلية عسكرية وسبع مروحيات من طراز "كوغار" وثلاث زوارق سريعة، ومعدات استطلاع، ذلك في الوقت الذي أبدت فيه المملكة العربية السعودية رغبتها في شراء سفن من طراز ميسترال، وعدد 4 فرقاطة من طراز "فريدم"، و24 مروحية من طرازH145 ، حيث أكدت تلك الدول على شراء تلك الأسلحة بهدف مواجهة الإرهاب في المنطقة.
4- تعاظم مشكلات الجالية الإسلامية في فرنسا، إذ تعتبر الجالية الإسلامية في فرنسا هي الأكبر على مستوى البلدان الأوروبية، حيث يتراوح عددها بين 5 إلى 6 ملايين مسلم، وترفعها تقديرات أخرى إلى 7 ملايين في الأراضي الفرنسية، وعلى الرغم من ضخامتها إلا أنها لا تزال تعاني من المشكلات التي تعوق عملية اندماجها بالشكل الكافي داخل المجتمع الفرنسي.
ويتضح ذلك من خلال بعض السياسات والقوانين التي أقرتها الحكومات الفرنسية المتعاقبة،مثل قوانين منع الحجاب في المدارس التي تديريها الدولة، وحظر النقاب في الأماكن العامة والحكومية، فضلًا عن المطالبات المستمرة من قبل بعض الطوائف بضرورة سرعة حظر الحجاب في الجامعات، وهو ما تراه الجالية استهداف واضح في إطار عملية ممنهجة لمعاداة الإسلام، وهو الأمر الذي يشكل أحد أبرز عوامل الاحتقان لدي الجالية الإسلامية في فرنسا، ولعل هذا ما حاول تنظيم داعش استغلاله حينما أعلن مسئوليته عن الحادث، مؤكدًا أنه تم استهداف "عقر دار دولة الصليب" وفقًا للبيان الذي صدر عن التنظيم.
5- تزايد معدلات الانخراط الفرنسي في قضايا المنطقة، ففرنسا تعد لاعبًا رئيسيًا ومؤثرًا في مختلف ملفات وقضايا الشرق الأوسط، فهي تقود حرب شرسة ضد نظام بشار وتدعو المجتمع الدولي بشكل مستمر لضرورة إسقاطه، ومن ثم فقد تحولت لطرف أصيل في معادلة الصراع، ولعل ما يؤكد ذلك البيان الصادر عن داعش الذي أكد أن العمليات المتطرفة جاءت في إطار "ثأر لسورية"، فضلًا عن دورها المركزي في الصراع في شمال مالي ضد الطوارق، علاوة على ضغطها المستمر على ليبيا حتى وصل الأمر إلى محاولة فرض وصاية دولية على مواردها النفطية في حالة عدم التوصل لاتفاق تسوية نهائي. وبالتالي، فقد اكتسبت فرنسا خلال الفترة الماضية قدر كبير من الخصومات والعداوات في المنطقة، مما جعلها أكثر عرضة للاستهداف عن غيرها من الدول.
6- تغلغل التيارات والتنظيمات الإسلامية في فرنسا، إذ تنتشر الجمعيات الإسلامية المرتبطة ببعض التنظيمات خصوصًا جماعة "الإخوان المسلمين"، بحيث يأتي في مقدمتها؛ اتحاد المنظمات الإسلامية والذي أنشئ عام 1983، والذي يضم أكثر من 200 جمعية تتغلغل في كافة ميادين الحياة العامة سواء الاجتماعية أو الدعوية أو الإرشادية.
وتشير عدة تقارير إلى بلوغ عدد الجمعيات والهيئات الإسلامية في فرنسا لما يتجاوز 250 جمعية، تنتشر بشكل واسع في الجامعات والمساجد الكبرى،وهذه التنظيمات الدينية ذات الخلفيات والأيديولوجيات السياسية تسعي للتمدد ونشر أفكارها من خلال تلك الجمعيات، وتنتقل من الاعتدال إلى التطرف رويدا رويدا متى تهيئة الظروف الداخلية والدولية.
7- قابلية الفرنسيين للانضمام للتنظيمات المسلحة، فوفقًا للبيانات التي أعلن عنها وزير الداخلية الفرنسي خلال تصريحاته في أيار/ مايو 2015 أمام لجنة تحقيق في البرلمان الفرنسي عن مراقبة المتطرفين، فإن عدد الفرنسيين المتورطين مع الجماعات المتطرفة ارتفع من 1683 شخصًا من الفرنسيين المقيمين داخل فرنسا بزيادة تقدر بـ203 % مقارنة بشهر كانون الثاني/ يناير 2014.
وذلك في الوقت الذي أكدت فيه تقديرات وزارة الداخلية الفرنسية عن أن عدد المقاتلين الفرنسيين في صفوف التنظيمات الإرهابية بلغ 1000 شخص، من بينهم 900 في سورية، و100 في ليبيا.
وفي تقدير آخر لمركز مكافحة الإرهاب في فرنسا بلغ عددهم 800 متطرف في سورية والعراق من بينهم 450 مازالوا يقاتلون، و108 قتلوا، 260 غادروا سورية والعراق إلى جهات غير معلومة قد تكون فرنسا إحدى تلك الجهات.
ولعل التخوف الأكبر من الرؤية الإيجابية للفرنسيين اتجاه داعش فوفقًا لاستطلاع رأي تم إجراؤه من قبل أحد القنوات التلفزيونية على عينة من 1000 شخص فإن 15% منهم لديهم رؤية إيجابية اتجاه تنظيم "داعش".
8- تزايد أعداد اللاجئين إلى فرنسا، فلا يمكن اعتبار فرنسا من الدول كثيفة استقبال اللاجئين لاسيما القادمين من سورية والعراق، إذا ما قورنت بألمانيا والدول الاسكندينافية، حيث يبلغ عدد اللاجئين من دول المنطقة لفرنسا وفقًا لتقديرات الأمم المتحدة ما يقرب من 6700 لاجئ فقط. لكن تظل التقارير الاستخباراتية المختلفة تشير إلى إمكانية تسلل بعض العناصر المتطرفة إلى الأراضي الفرنسية وسط مجموعات اللاجئين، وهو ما يجعل فرنسا معرضة بشكل مستمر للاستهداف من قبل التنظيمات المتشددة.
أرسل تعليقك