توقيت القاهرة المحلي 13:53:48 آخر تحديث
  مصر اليوم -

أستاذنا «الزميل» جورج طرابيشي

  مصر اليوم -

أستاذنا «الزميل» جورج طرابيشي

بقلم حازم صاغية

بوفاة المثقف السوري البارز جورج طرابيشي، تخسر الثقافة العربية، على ما أشار بحقٍّ كثيرون، رمزاً تميز بسعة الإحاطة والدقة والدأب في ما يتناول، فضلاً عن الجرأة الفكرية على أفكار كان يعتنقها ثم لا يلبث أن يطور حيالها موقفاً نقدياً.

فجورج كتب وترجم عشرات الكتب التي امتدت من السياسة والفلسفة إلى علم النفس والنقد الأدبي والنسوية، قبل أن يتفرغ كلياً للتراث الإسلامي عبر نقده أعمال محمد عابد الجابري. بهذا واكب الحقب السياسية والفكرية التي تتالت على العالم العربي، لكنه على عكس معظم «المثقفين الكبار» العرب، لم ينقطع عن متابعة ما يجري في عالمنا وتحولاته: فعلى مدى نيف وعشر سنوات، واظب على كتابة عرض أسبوعي لواحد من الكتب السياسية أو التي تتصل بالفكر السياسي، الصادرة حديثاً في فرنسا. وفي ملحق «تيارات»، في هذه الجريدة، كان «الزميل» جورج ينشر عروضه بتواضع وتخفف من الأنا، وبدأب ودقة ليست مما يوصف به عادةً مَن يُسمَّون «المفكرين العرب».

لقد انتقل جورج طرابيشي من حزب البعث الذي اعتنقه يافعاً، إلى خليط من الماركسية والوجودية أثمر كتباً كـ «سارتر والماركسية» و «الثورة في الثورة الطبقية». لكنه، وكما لاحظ وائل السواح، ترك البعث بُعيد استيلاء هذا الحزب على السلطة، ضداً على جموع المستفيدين ممن انضموا إليه بعدما صار حزباً حاكماً. أما الماركسية، فبحث عن أسئلتها وتناقضاتها، على ما تدل كتب له، كـ «الماركسية والإيديولوجيا» و «النزاع الصيني السوفياتي» وسواهما. وهو بعدما أنشد فترةً، كصديقيه الأكبر سناً بقليل ياسين الحافظ والياس مرقص، إلى خليط ماركسي– قومي عربي بنكهة ناصرية، جاء كتابه «الدولة القطرية والنظرية القومية»، لينبه ضمناً إلى تحفظاته عن هذا الخيار وعن تراجع احتمالاته.

أما اهتمام جورج اللاحق بالتراثيات والإسلاميات فكان مسوقاً بموقف نقدي حاد من متناوليها وإشكالياتهم. بهذا، وعلى نحو قريب مما أشار إليه حسام عيتاني، وضع ثقافيته في مواجهة الثقافية السائدة التي جعلت ثنائية التراث والمعاصرة (أو الأصالة والحداثة) نسغاً قليل الخصوبة لشرايينها الجافة وهربها المداور من «معاصرة العصر».

ولئن أقام جورج في بيروت التي وفرت له مناخاً من الحرية لا توفره سورية البعثية، ففيها تولى رئاسة تحرير مجلة «دراسات عربية» التي نشرت وترجمت بعض ألمع الدراسات التي كُتبت أواخر الستينات وأوائل السبعينات. فحين نشبت الحرب الأهلية– الإقليمية في لبنان، هاجر طرابيشي إلى باريس، التي استقر فيها، برفقة زوجته الروائية هنرييت عبودي، إلى أن وافته المنية.

لقد عُرف جورج، المثقف البارز والرجل المحترم، بنزعة ذهنية مصفّاة كانت أحد مصادر نزاهته وتواضعه بقدر ما كانت هي نفسها من أسباب غلوه في التجريد طلباً للعلمانية وإصراراً على التقدم والعقلانية. وخلفيةٌ كهذه قد تُلحق بصاحبها نوعاً من الشلل السياسي حيال واقع لم تتوقعه النزعة الذهنية القصوى، وهي قد تحرفه مراتٍ إلى شيء من الوعظ، خصوصاً حين يبخل ذاك الواقع بتقديم الحوامل اللازمة لتلك القيم الكونية. وأذكر، في المرة الأخيرة التي التقيته في باريس أواسط 2012، كيف انقسم حديثه السياسي شطرين متعادلين، واحداً يدين نظام الأسد، لاستبداده وعدائه للديموقراطية، وآخر يخاف الثورة، لما اعتبره ميلاً عنفياً ونزوعاً دينياً وطائفياً تتزايد وطأته عليها. لكن المؤكد أن جورج بدا أشد حزناً على سورية من اهتمامه بعرض آرائه السياسية حيال نظامها وثورتها، فحديثه يومذاك طغى عليه العاطفي والوجداني ومصطلحات الحنين والخوف والقلق وصولاً إلى الموت. وهو نفسه، في آخر نص كتبه، إنما أدرج موته «الصغير» في الموت الكبير لوطنه.

كائناً ما كان الأمر، ولأن المحاكم العرفية والعسكرية هي وحدها ما يختصر حياة المرء وإنتاجه في موقف سياسي مختلَف عليه، يبقى طرابيشي، لي ولكثيرين من أبناء جيلي والجيل الأصغر قليلاً، أحد الأساتذة الذي علمنا الكثير. وكان بعض ما علمنا إياه، في عمله وفي حياته، الشجاعة الفكرية والنزاهة والتواضع. عسانا نتعلم.

GMT 05:50 2019 الإثنين ,17 حزيران / يونيو

هل لديك الشجاعة؟!

GMT 05:48 2019 الإثنين ,17 حزيران / يونيو

الأدوات السياسية

GMT 05:46 2019 الإثنين ,17 حزيران / يونيو

كيف نتصدى لإيران في الخليج؟

GMT 05:31 2019 الإثنين ,17 حزيران / يونيو

"الممر"

GMT 05:28 2019 الإثنين ,17 حزيران / يونيو

عيون وآذان (إسرائيل تتآمر على ما بقي من فلسطين)

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أستاذنا «الزميل» جورج طرابيشي أستاذنا «الزميل» جورج طرابيشي



يتميَّز بطبقة شفّافة مُطرّزة وحواف مخملية

كورتني كوكس تُهدي فُستانًا ارتدته قبل 20 عامًا لابنتها كوكو

نيويورك ـ مادلين سعاده

GMT 03:24 2019 الإثنين ,17 حزيران / يونيو

"دولتشي آند غابانا" تُقدِّم عبايات لخريف وشتاء 2019
  مصر اليوم - دولتشي آند غابانا تُقدِّم عبايات لخريف وشتاء 2019

GMT 06:16 2019 الإثنين ,17 حزيران / يونيو

أغلى فيلا في تايلاند مقصد للمشاهير ومُحبي الفخامة
  مصر اليوم - أغلى فيلا في تايلاند مقصد للمشاهير ومُحبي الفخامة

GMT 09:04 2019 الإثنين ,17 حزيران / يونيو

ديكورات مستوحاة من الطبيعة للجلسات الخارجية
  مصر اليوم - ديكورات مستوحاة من الطبيعة للجلسات الخارجية

GMT 12:48 2019 الخميس ,10 كانون الثاني / يناير

تعرف على تاريخ مصر القديمة في مجال الأزياء والموضة

GMT 03:59 2018 الأحد ,28 كانون الثاني / يناير

تفاصيل جديدة في حادث الاعتداء على هشام جنينه

GMT 10:53 2018 الأربعاء ,17 كانون الثاني / يناير

العلماء يحذرون عشاق "شاي الأكياس" من المخاطر الصحية

GMT 15:26 2018 الجمعة ,12 كانون الثاني / يناير

ميلان يضع خُطة لإعادة تأهيل أندريا كونتي

GMT 09:19 2018 الثلاثاء ,02 كانون الثاني / يناير

وصول جثمان إبراهيم نافع إلى مطار القاهرة من الإمارات

GMT 08:13 2018 الإثنين ,01 كانون الثاني / يناير

التغذية غير الصحية كلمة السر في الشعور بالخمول

GMT 09:09 2017 الخميس ,28 كانون الأول / ديسمبر

طارق السيد ينصح مجلس إدارة الزمالك بالابتعاد عن الكرة

GMT 00:47 2017 الثلاثاء ,26 كانون الأول / ديسمبر

أمن الإسماعيلية يرحب باستضافة المصري في الكونفدرالية

GMT 18:22 2017 السبت ,09 كانون الأول / ديسمبر

القدر أنقذ ميسي من اللعب في الدرجة الثانية

GMT 09:28 2016 الخميس ,18 شباط / فبراير

عرض فيلم "نساء صغيرات" في الإسكندرية
 
Egypt-Sports

All rights reserved 2026 Arabs Today Ltd.

All rights reserved 2026 Arabs Today Ltd.

egyptsports egyptsports egyptsports egyptsports
Egypttoday Egypttoday Egypttoday
Egypttoday
بناية النخيل - رأس النبع _ خلف السفارة الفرنسية _بيروت - لبنان
Egypt, Lebanan, Lebanon