توقيت القاهرة المحلي 13:53:48 آخر تحديث
  مصر اليوم -

عندما يهرب النظام السوري إلى سوريا

  مصر اليوم -

عندما يهرب النظام السوري إلى سوريا

خيرالله خيرالله

كان تاريخ النظام السوري، منذ ما قبل استيلاء البعث على السلطة، سلسلة من عمليات الهروب إلى الخارج لتغطية الأزمة العميقة التي يعاني منها البلد منذ استقلاله.

يمتلك رئيس النظام السوري بشار الأسد قدرة، ليس بعدها قدرة، على الانتقام من سوريا والسوريين. كان آخر دليل على ذلك الحديث الذي أدلى به إلى مجلة “باري ماتش” الفرنسية، والذي يبدو واضحا أنّه جزء من حملة علاقات عامة تستهدف تلميع صورة رجل مسؤول عن مئتي ألف قتيل من مواطنيه وتهجير نصف أبناء الشعب، فضلا عن تدمير المدن والبلدات السورية.

الأكيد أنّ لدى المجلة ما دفعها إلى إجراء الحديث والتباهي به. ما ليس أكيدا هو مساهمة الحديث في تغيير شيء في الواقع السوري المتمثّل في أنّ النظام انتهى، لكنّه يصر على أن تنتهي سوريا معه.

خلاصة الحديث أن بشّار الأسد يرفض مغادرة الموقع الذي يحتله بالقوة والذي ورثه عن والده. يتحدّث عن “دولة” يقف على رأسها في حين أنّه لم توجد في سوريا الحديثة، أقلّه منذ تولي حزب البعث السلطة نتيجة انقلاب عسكري في الثامن من مارس 1963 أي مؤسسات لدولة من أي نوع كان. كل ما هناك نظام عسكري- أمني، يدعي أنه دولة، ولم تكن لديه في يوم من الأيّام أي شرعية.

تطوّر هذا النظام في اتجاه واحد، في اتجاه تحوّله من مجرد تركيبة مدنية- عسكرية في البداية إلى تركيبة طائفية، على رأسها عدد من الضبّاط العلويين اختُزلت التركيبة هذه ابتداء من العام ألف وتسعمئة وسبعين برجل واحد هو حافظ الأسد.

في عهد بشار الأسد، صارت التركيبة ذات طابع عائلي بعدما وضع أقرباؤه المباشرون يدهم على كل المرافق الاقتصادية للبلد في كل المجالات والحقول.

باختصار، لم توجد في سوريا ما بعد البعث مؤسسات لدولة. كانت هناك مجموعة من الأجهزة الأمنية تسيطر على الدولة وتسيّرها لا أكثر. كانت في الواجهة في بعض المواقع شخصيات سنية استخدمت لمجرّد التمويه. لم يكن يجمع بين هذه الشخصيات سوى أنّها من سُنّة الأرياف، نظرا إلى كره حافظ الأسد لسنة المدن الكبيرة. ما يجمع بين مصطفى طلاس وحكمت الشهابي وعبدالحليم خدّام وفاروق الشرع هو كونهم جميعا من سنّة الأرياف. الأهمّ من ذلك، أنهم كانوا مجرّد بيادق في لعبة يديرها حافظ الأسد الذي كان يستطيع التدمير والابتزاز واللعب على التوازنات الإقليمية… والذي اعتقد أن في استطاعته بناء دولة، لا مؤسسات فعالة فيها سوى المؤسسات الأمنية.

كان من المفيد قراءة حديث بشّار الأسد، أقلّه من أجل اكتشاف ما اكتشفه كثيرون منذ اندلاع الثورة الشعبية في سوريا في مارس 2011. تبيّن منذ اليوم الأول لاندلاع تلك الثورة الحقيقية أنّ بشار الأسد لا يعرف شيئا عن البلد الذي يحكمه بالحديد والنار وكل أشكال القمع. يتفهّم اللبنانيون، قدر الإمكان، أنّه لم يكن يعرف شيئا، ولو قليل القليل، عن لبنان. لكنّ الفضيحة الكبرى كانت جهله بسوريا والسوريين أيضا. لم تكن لديه حتى واجهات شكلية يمكن أن توحي بأن هناك مشاركة ما، ولو نظريا في السلطة.

يؤكد كل ما في حديث بشار الأسد أن ليس في استطاعة الرجل الخروج من حال الإنكار التي يعاني منها. لا يزال يعيش داخل عالم خاص به لا علاقة له بالواقع. يعتقد أنّه على رأس دولة، في حين أنّه على رأس مجموعة عائلية أقرب إلى مجلس إدارة لشركة. يتولى مجلس الإدارة هذا تسيير شركة اسمها سوريا. الشركة مفلسة حاليا، وصارت هناك حاجة إلى من يغذيها من الخارج، فجاءت المشاركة الإيرانية التي ارتدَتْ أشكالا مختلفة صبّت، في نهاية الأمر، في جعل الشركة التي اسمها سوريا شركة تمتلك إيران معظم الأسهم فيها. وهذا ما يفسّر إلى حد كبير انفراط عقد العائلة شيئا فشيئا من جهة، ومؤشرات على نقمة داخل أوساط علوية على بشّار من جهة أخرى.

كان تاريخ النظام السوري، منذ ما قبل استيلاء البعث على السلطة، سلسلة من عمليات الهروب إلى الخارج لتغطية الأزمة العميقة التي يعاني منها البلد منذ استقلاله. إنّها أزمة نظام وكيان في الوقت ذاته. كان الانقلاب العسكري الأوّل لحسني الزعيم تعبيرا عن هذه الأزمة التي صارت فاقعة مع قيام الوحدة المصطنعة مع مصر التي لم تدم سوى ثلاث سنوات.

لا حاجة إلى سرد المحطات التي مرّت بها سوريا، بما في ذلك، أخذ العرب إلى حرب خاسرة سلفا في العام 1967، حين كان حافظ الأسد وزيرا للدفاع. لا حاجة إلى الاسترسال في كيفية إيقاع لبنان، عن سابق تصوّر وتصميم، تحت عبء الوجود الفلسطيني المسلّح في العام 1969، تاريخ توقيع اتفاق القاهرة المشؤوم الذي لا يزال الوطن الصغير يعاني منه. لا حاجة إلى تكرار كيف أنّ النظام السوري وبعد حرب تشرين 1973 وجد نفسه في طريق مسدود، خصوصا بعد زيارة الرئيس أنور السادات للقدس في خريف العام 1977.

هرب النظام السوري إلى لبنان. استخدم الورقة الفلسطينية ثم الغرائز المذهبية إلى أبعد حدود من أجل احتلال البلد الجار عسكريا طوال ثلاثة عقود. وفي مرحلة معيّنة هرب إلى العراق. تصالح حافظ الأسد مع عدوّه اللدود صدام حسين للوقوف في وجه أنور السادات ظاهرا. الحقيقة أنّ صدّام حسين الذي لم يكن هناك من يتفوّق عليه بالغباء السياسي، وقع وقتذاك في الفخّ الذي نصبه له الأسد الأب…

في السنة الجارية، يتبين أنه لم يعد أمام بشار الأسد الذي خرج من لبنان نتيجة اغتيال رفيق الحريري، سوى الهرب إلى سوريا بعدما انتفضت في وجهه. إلى متّى يستطيع ممارسة لعبة الهروب هذه؟

يتحدّث عن “دولة” لا وجود لها في سوريا، ويلقي التهم يمينا ويسارا رافضا الاعتراف بأمرين، الأوّل أنّه لم تكن لديه شرعية ما في أي يوم من الأيام، والآخر أن الأجهزة الأمنية والشركات العائلية لا تصنع دولا. أقصى ما تستطيع هذه الأجهزة وهذه الشركات صنعه هو البراميل المتفجّرة. أقصى ما يمكن أن تصنعه هو تشريد مزيد من السوريين وتمكين إيران وأدواتها من بسط سيطرتها أكثر فأكثر على البلد، أو على ما بقي منه.

الثابت وسط كل هذه المأساة أن حديثا في مجلة فرنسية لا يقدم ولا يؤخر. إنه عودة إلى أساليب قديمة، تجاوزها الزمن لإظهار النظام في مظهر من لديه شيء يقوله. كل ما في الأمر أن الحديث كان مناسبة أخرى للتأكد من أن بشار الأسد يعيش في عالم لا علاقة له بالعالم. كل يوم يبقى فيه في دمشق يعني مزيدا من الخراب والتفتيت لبلد كان يمكن أن يكون من أفضل دول المنطقة وأكثرها ازدهارا، لو وجد فيه، في يوم من الأيّام، شخص طبيعي في السلطة يدرك أن لعبة الهروب إلى الأمام، إلى خارج سوريا، سترتد عليها عاجلا أم آجلا.

كم كان حجم هذا الارتداد ضخما، خصوصا بعدما اضطرّ بشّار إلى الهرب في اتجاه سوريا؟

GMT 05:50 2019 الإثنين ,17 حزيران / يونيو

هل لديك الشجاعة؟!

GMT 05:48 2019 الإثنين ,17 حزيران / يونيو

الأدوات السياسية

GMT 05:46 2019 الإثنين ,17 حزيران / يونيو

كيف نتصدى لإيران في الخليج؟

GMT 05:31 2019 الإثنين ,17 حزيران / يونيو

"الممر"

GMT 05:28 2019 الإثنين ,17 حزيران / يونيو

عيون وآذان (إسرائيل تتآمر على ما بقي من فلسطين)

GMT 02:12 2019 الإثنين ,17 حزيران / يونيو

«صاحبة الجلالة» ليست دائماً بريئة!

GMT 02:05 2019 الإثنين ,17 حزيران / يونيو

أرجيلة «حزب الله» وجمر إيران!

GMT 01:46 2019 الإثنين ,17 حزيران / يونيو

شرعية الإنجاز

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عندما يهرب النظام السوري إلى سوريا عندما يهرب النظام السوري إلى سوريا



يتميَّز بطبقة شفّافة مُطرّزة وحواف مخملية

كورتني كوكس تُهدي فُستانًا ارتدته قبل 20 عامًا لابنتها كوكو

نيويورك ـ مادلين سعاده

GMT 03:24 2019 الإثنين ,17 حزيران / يونيو

"دولتشي آند غابانا" تُقدِّم عبايات لخريف وشتاء 2019
  مصر اليوم - دولتشي آند غابانا تُقدِّم عبايات لخريف وشتاء 2019

GMT 06:16 2019 الإثنين ,17 حزيران / يونيو

أغلى فيلا في تايلاند مقصد للمشاهير ومُحبي الفخامة
  مصر اليوم - أغلى فيلا في تايلاند مقصد للمشاهير ومُحبي الفخامة

GMT 09:04 2019 الإثنين ,17 حزيران / يونيو

ديكورات مستوحاة من الطبيعة للجلسات الخارجية
  مصر اليوم - ديكورات مستوحاة من الطبيعة للجلسات الخارجية

GMT 12:48 2019 الخميس ,10 كانون الثاني / يناير

تعرف على تاريخ مصر القديمة في مجال الأزياء والموضة

GMT 03:59 2018 الأحد ,28 كانون الثاني / يناير

تفاصيل جديدة في حادث الاعتداء على هشام جنينه

GMT 10:53 2018 الأربعاء ,17 كانون الثاني / يناير

العلماء يحذرون عشاق "شاي الأكياس" من المخاطر الصحية

GMT 15:26 2018 الجمعة ,12 كانون الثاني / يناير

ميلان يضع خُطة لإعادة تأهيل أندريا كونتي

GMT 09:19 2018 الثلاثاء ,02 كانون الثاني / يناير

وصول جثمان إبراهيم نافع إلى مطار القاهرة من الإمارات

GMT 08:13 2018 الإثنين ,01 كانون الثاني / يناير

التغذية غير الصحية كلمة السر في الشعور بالخمول

GMT 09:09 2017 الخميس ,28 كانون الأول / ديسمبر

طارق السيد ينصح مجلس إدارة الزمالك بالابتعاد عن الكرة

GMT 00:47 2017 الثلاثاء ,26 كانون الأول / ديسمبر

أمن الإسماعيلية يرحب باستضافة المصري في الكونفدرالية

GMT 18:22 2017 السبت ,09 كانون الأول / ديسمبر

القدر أنقذ ميسي من اللعب في الدرجة الثانية

GMT 09:28 2016 الخميس ,18 شباط / فبراير

عرض فيلم "نساء صغيرات" في الإسكندرية
 
Egypt-Sports

All rights reserved 2026 Arabs Today Ltd.

All rights reserved 2026 Arabs Today Ltd.

egyptsports egyptsports egyptsports egyptsports
Egypttoday Egypttoday Egypttoday
Egypttoday
بناية النخيل - رأس النبع _ خلف السفارة الفرنسية _بيروت - لبنان
Egypt, Lebanan, Lebanon