بيروت -مصر اليوم
ما زال الوضع في لبنان، الذي يئن تحت ضغوط الصراعات الإقليمية، بحالة ترقب حول إمكان توصل الفرقاء إلى حل للأزمة السياسية والدستورية القائمة في البلاد المتمثلة بالشغور الرئاسي منذ أكثر من سنتين وفي ظل تعطيل عمل مجلس النواب الممدد لنفسه لمرتين متتاليتين ووسط شلل عمل الحكومة التي تتولى صلاحيات رئيس الجمهورية بحكم الدستور نظرا للفراغ الرئاسي وفي خضم هذا الوضع القاتم، قال تمام سلام رئيس مجلس الوزراء اللبناني في حوار تلفزيوني إن السلبيات التي تتراكم من عدم انتخاب رئيس للجمهورية تتمثل بشبه شلل في السلطة التشريعية ومجلس النواب، وبدل أن يجتمع مجلس النواب للتشريع ولمساءلة الحكومة 3 مرات أسبوعيا يكاد يجتمع مرة في السنة،مشيرا إلى أن لبنان قد يواجه الانهيار، وهو يتوجه إلى ما لا تحمد عقباه من فشل أوانهيار.وتشهد الساحة اللبنانية تعطيل كافة المؤسسات الدستورية جراء الفراغ الرئاسي منذ شهر مايو من عام 2014 والذي تبعته أزمة حكومية بعد إعلان أحد الفرقاء السياسيين وزراء التيار الوطني الحر (تكتل التغيير والإصلاح) رفضه حضور أي جلسة لمجلس الوزراء، "إذا لم يكن على جدول أعمالها التعيينات الأمنية والعسكرية"، إلى جانب شلل مجلس النواب حيث يتعذر انعقاد جلسات البرلمان نتيجة إحجام كتل نيابية وازنة عن الحضور بحجة أنه "لا يجوز التشريع في ظل الفراغ الرئاسي".وفي هذا السياق، قال النائب غسان مخيبر عضو تكتل "التغيير والإصلاح" في تصريح خاص لوكالة الأنباء القطرية "قنا" إن تعليق مشاركة التيار الوطني الحر في الحكومة وجلسات الحوار ومقاطعة جلسات البرلمان المخصصة لانتخاب رئيس للجمهورية تندرج في إطار الضغط من أجل حسن أداء المؤسسات ليكون عملها في إطار الدستور، معتبرا أن ذلك لا يخالف الدستور.. مشددا على أن عدم المشاركة في المؤسسات الدستورية "هي وسائل للضغط للتأكد من حسن سير المؤسسات".
ورفض مخيبر اعتبار البعض أن التيار الوطني الحر يقوم بتعطيل أعمال البرلمان والحكومة والحوار الوطني، مضيفا "نواب تكتل التغيير والإصلاح لا يقاطعون المجلس النيابي لأنهم يشاركون في أعمال اللجان النيابية، كما أنه يوجد توافق عام في المجلس النيابي أنه يجب أن يكون التشريع في حدوده الدنيا في ظل الفراغ الرئاسي أي العمل بما سمي بتشريع الضرورة من أجل استمرار مؤسسات الدولة بالعمل في غياب رئيس الجمهورية".وأضاف أن تعليق مشاركة وزراء التيار الوطني الحر بالحكومة جاء نظرا للاختلاف بوجهات النظر، ومؤخرا حول التمديد لقائد الجيش العماد جان قهوجي لأنها بنظرهم مخالفة صريحة للقانون، مبينا في الوقت نفسه أن تعليق مشاركة وزراء التيار الوطني الحر أيضا هي احتجاج على مجمل قرارات أخرى لا يؤخذ فيها الرأي بأحد المكونات الرئيسية الأكثر تمثيلا للمسيحيين "تكتل التغيير والإصلاح".وشدد عضو تكتل التغيير والإصلاح على ضرورة رأب الصدع بين الفرقاء وإعادة تفعيل أدوات الحوار الرسمية وخاصة مجلس النواب ومجلس الوزراء، مؤكدا أن انتخاب رئيس للجمهورية هي أولوية بالنسبة لتكتل التغيير والإصلاح.وقد فشل مجلس النواب اللبناني الأسبوع الماضي في 28 سبتمبر وللمرة 45 على التوالي، وبعد مرور أكثر من عامين على الفراغ الرئاسي، في انتخاب رئيس جديد للبلاد خلفا للرئيس المنتهية ولايته في الخامس والعشرين من شهر مايو من عام 2014، ميشال سليمان، وذلك نظرا لعدم اكتمال النصاب القانوني لعقد الجلسة التي كانت مقررة وسط استمرار مقاطعة كتلتي "الوفاء للمقاومة" و"التغيير والإصلاح"، علما بأن النصاب القانوني هو 86 نائبا أي ثلثا أعضاء المجلس النيابي المؤلف من 128 نائبا.ويعاني لبنان من شلل في عمل مجلس النواب على خلفية رفض كتل برلمانية التشريع بحجة الفراغ الرئاسي، هذا ولم يجتمع مجلس النواب اللبناني هذا العام واجتمع مرة واحدة العام الماضي، ما أدى إلى تأخير إقرار قوانين للصالح العام ومنها مشروع قانون سلسلة الرتب والرواتب لموظفي القطاع العام، وهو المجلس الذي أقر في 5 نوفمبر 2014 تمديد ولايته لمدة سنتين وسبعة أشهر إضافية تمتد حتى 20 يونيو من عام 2017، لتكون المرة الثانية التي مدد فيها البرلمان اللبناني لنفسه عن ولايته الأصيلة المحددة في قانون الانتخابات بأربع سنوات، وذلك بعد التمديد الأول الذي تم شهر مايو من عام 2013.ولم تكن الحكومة التي تتولى صلاحيات رئيس الجمهورية بمنأى عن التعطيل، حيث أعلن وزراء التيار الوطني الحر مقاطعة جلساتها العام الماضي على خلفية التمديد للقادة الأمنيين وهو الأمر الذي تكرر قبل شهر بعد إعلان وزراء التيار أيضا انسحابهم بعد أن تبين لهم احتمال التمديد لقائد الجيش اللبناني جان قهوجي وهو ما حصل فعلا قبل أيام بقرار وزاري من وزير الدفاع سمير مقبل.
وتتفق قوى 8 و 14 آذار على عمق الأزمة التي تعيشها البلاد، وتعترف بصعوبة إنضاج حلول أو تسويات تخرج لبنان، إلا عبر خطوة جريئة تعيد ترتيب الأولويات عبر إعادة الحياة إلى المؤسسات الدستورية، في حين شهدت الساحة السياسية الأيام القليلة الماضية حركة سياسية في محاولة لإنهاء الأزمة الرئاسية على وقع الزيارات التي يقوم بها النائب سعد الحريري رئيس تيار المستقبل لمختلف الأقطاب السياسية وبينهم النائب ميشال عون رئيس تكتل التغيير والإصلاح الذي يأمل أن يتبنى الحريري ترشيحه للرئاسة.وأكد النائب خالد زهرمان عضو كتلة المستقبل، في تصريح لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، أن تيار المستقبل لم يتراجع عن ترشيح رئيس تيار المردة النائب سليمان فرنجية للرئاسة، حيث أعلن الحريري قبل أيام عقب لقاء فرنجية استمرار تبني ترشيحه، تاركا في الوقت نفسه المجال أمام إجراء اتصالات مع كافة الأقطاب للخروج بمبادرات جديدة لإنهاء الفراغ في منصب رئاسة الجمهورية.كما رفض تحميل تيار المستقبل مسؤولية التعطيل في انتخاب رئيس جديد للبلاد، مشيرا إلى المبادرات التي طرحها "المستقبل" وآخرها ترشيح النائب سليمان فرنجية أبرز أقطاب 8 آذار لرئاسة الجمهورية والحوار مع التيار الوطني الحر الذي أجراه قبل عامين دون التوصل إلى تفاهم بشأن الملف الرئاسي، إلى جانب الزيارات التي قام بها قبل أيام لمختلف الأقطاب السياسية وبينها زيارة النائب ميشال عون أبرز المرشحين للرئاسة، وذلك بهدف قيامه بمشاورات جديدة مع كل الفرقاء السياسيين للخروج بمبادرة جديدة انطلاقا من قناعته بأن المصلحة الوطنية تعلو فوق المصالح الشخصية.ورأى أن الملف الرئاسي رهينة بأيدي دول إقليمية ويبدو أنها لا تريد الإفراج عن هذه الورقة حاليا وتريد مقايضتها بتسويات في دول المنطقة، معتبرا أن التسويات بالمنطقة غير واضحة حتى الآن.وأكد عضو كتلة المستقبل أن هناك نقاطا مهمة من أجل إنهاء الأزمة السياسية في لبنان وانتظام عمل المؤسسات وهي تفعيل عمل الحكومة، إلى جانب إعادة الاجتماع ضمن طاولة الحوار الوطني رغم أن الحوار قد لا ينتج حلولا عاجلة ولكن في ظل الأوضاع التي تمر بها دول المنطقة والوضع المتردي في لبنان يبقى الحوار ولو بالشكل أفضل من عدمه.وما زاد الأزمة السياسية تعقيدا تعليق الحوار الوطني شهر سبتمبر الماضي على وقع إعلان التيار الوطني الحر "كتلة التغيير والإصلاح" تعليق مشاركته في جلسة الحوار، على الرغم من تمسك نبيه بري رئيس مجلس النواب اللبناني بالمبادرة التي طرحها على طاولة الحوار الوطني لحل الأزمة السياسية القائمة.ومن ناحيته، أكد النائب قاسم هاشم عضو "كتلة التنمية والتحرير" في تصريح لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، أن المبادرة التي طرحها نبيه بري رئيس مجلس النواب رئيس كتلة التنمية والتحرير شهر مايو الماضي لحل الأزمة السياسية القائمة بالبلاد جراء الفراغ الرئاسي ما زالت قائمة، محملا كافة الفرقاء السياسيين بالبلاد مسؤولية الفراغ الرئاسي.ورأى هاشم أن لبنان يمر بأزمة سياسية عامة وتداعياته السلبية تضر بالشؤون السياسية والاقتصادية والمالية بالبلاد، مشددا على ضرورة إرساء التفاهم بين مختلف الفرقاء بالبلاد وأولها الملف الرئاسي، إلى جانب العديد من الملفات الخلافية، مؤكدا في الوقت نفسه أهمية التوافق على أساس "السلة المتكاملة" لحل الأزمة السياسية وفقا لمبادرة رئيس مجلس النواب نبيه بري.وكان نبيه بري طرح في جلسة الحوار الوطني شهر مايو الماضي، مبادرة تتضمن ثلاثة خيارات لمعالجة الأزمة السياسية ومنها الاتفاق على سلة متكاملة للحل تشمل انتخاب رئيس جديد للجمهورية والاتفاق على قانون الانتخاب والحكومة وغيرها من الأمور، على أن ينتخب الرئيس أولا، ثم يتم تشريع قانون الانتخاب الجديد الذي يكون جرى التوافق عليه، لتحصل الانتخابات على أساسه لاحقا.يذكر أن رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري دعا في 30 أغسطس من العام الماضي إلى حوار بين الفرقاء اللبنانيين من أجل إيجاد حل للأزمات القائمة في البلاد وأبرزها أزمة الشغور الرئاسي، في حين انطلقت في التاسع من شهر سبتمبر من العام الماضي وتم تعليق جلساتها في الخامس من شهر سبتمبر الماضي.ويرى عدد من السياسيين اللبنانيين أن مفتاح حل الأزمة السياسية اللبنانية بأسرع وقت يكون عبر إرساء التفاهم بين الفرقاء خاصة أن لبنان ليس في سلم أولويات المجتمع الدولي حاليا على ضوء الأزمات في دول المنطقة، هذا وإن كان يستبعد معظمهم إمكانية انفراج المأزق الداخلي بمعزل عن تسوية إقليمية.وتستبعد مصادر وزارية في لبنان انعقاد جلسة لمجلس الوزراء في الأسابيع القليلة المقبلة، وتوقعت أن لا يدعو تمام سلام إلى جلسة قبل 13 أكتوبر (التاريخ الذي حدده التيار الوطني الحر للتحرك في الشارع)، ولكنها في المقابل شددت على أهمية استمرار الحكومة بعملها لأنها ضرورة لا غنى عنها في ظل الفراغ الرئاسي من أجل تسيير شؤون البلاد، ولكي لا ترضخ الحكومة لأي شرط سياسي بعد إعلان "التيار الوطني الحر" التحرك في الشارع تحت شعار خرق الميثاقية في قرارات الحكومة.ويتخوف مراقبون من التخبط حتى بين الفريق السياسي الواحد خاصة بعد استقالة وزير العدل أشرف ريفي من الحكومة "الذي تولى حقيبة وزارية بدعم تيار المستقبل، وإعلانه أنه بات لا يتوافق مع الممارسة السياسية للمستقبل خاصة لجهة تبنيه ترشيح النائب سليمان فرنجية أبرز أقطاب 8 آذار مرشحا لرئاسة الجمهورية"، معتبرا أن لبنان يمر بأزمة وطنية تسببت بها قوى الأمر الواقع "حزب الله"، التي تكاد تطبق على الدولة ومؤسساتها، حيث أدى سلوك هذه القوى، برأي ريفي في بيان إعلان استقالته، إلى إدخال الدولة في مرحلة التفكك والفراغ، وصولا إلى تشويه الهوية الوطنية وتعريض سيادة لبنان واقتصاده ومستقبله وعلاقاته الدولية والعربية لأفدح الأخطار.ويبقى السؤال هل يخرق التواصل بين الأقطاب اللبنانيين جدار المقولة الشائعة إن لبنان غير قادر على إنهاء أزماته بمعزل عن التدخل الخارجي والتسويات الإقليمية والدولية؟