مستشار الرئيس المؤقت د. مصطفى حجازي

القاهرة – محمد الدوي استطاع بلغته الرصينة وفكره الواعي ومؤلفاته التي رصد وتنبأ فيها بما يجعله وأحداً من قليلين يمتلكون القدرة على تحليل وربط الأحداث التاريخية ببعضها ، وكذلك هدؤه ودبلوماسيته والكاريزما التى يمتلكها، جعلته يخطف الأضواء من الجميع منذ أول حديث وظهور تلفزيوني له كمستشار لرئيس الجمهورية بعد ثورة الثلاثين من يونيو.
فوسط حشد جماهيرى وإعلامي كبير، التقى رواد معرض الكتاب مساء أمس السبت، د. مصطفى حجازي وبدأ اللقاء بكلمة الكاتبة الصحفية "نشوى الحوفي"، التى أدارت اللقاء مشيرة إلى أن حجازي فى المعرض بوصفه مؤلف كتاب "حجر رشيد..الخروج الآمن لمصر"، وليس بوصفه مستشار الرئيس.
وقالت: اسم الكتاب يعبر عن مضمونه والهدف منه، فكما فك "حجر رشيد" طلاسم اللغة الهيروغليفية ومنحنا فرصة قراءة حضارة كاملة للمصريين القدماء، فإن معرفة حقيقة الصراع وما حدث في مصر في السنوات الأخيرة قادرة على منحنا الخروج الآمن من اللحظة الراهنة، التي نعيشها اليوم.
يستعرض كتاب «حجر رشيد»، في أبوابه وفصوله، بالتحليل لا السرد، أحداث السنوات الماضية، ويتحدث عن تفاصيل ثورة 25 يناير والتفسير الفلسفي لمواقف النخبة السياسية والعسكرية.
كما يحلل رقم 18 في حياة المصريين عبر تناول الـ18 عامًا الأخيرة في حكم الرئيس الأسبق، محمد حسني مبارك، والـ18 يومًا عمر ثورة 25 يناير، والـ 18 شهرًا، التي قضاها المجلس العسكري في حكم مصر إلى أن تسلمت جماعة الإخوان المسلمين سلطة الحكم.
فى بداية حديثه رحب حجازى بالحضور من رواد المعرض والمثقفين والإعلاميين، وقال نحن معنيون فى الوقت الراهن بالأمور الاقتصادية والسياسية، وتناسينا أننا لا يمكن أن نبني قصورًا اقتصادية على تربة سياسية رخوة، أو قصورا سياسية على تربة اجتماعية ضعيفة، وعلبنا أن نكون على إدراك تام بأن الحبر لا يكتب سرًا.
وأشار أن ثورة 25 يناير هي استعادة للحالة الإنسانية، خاصة أن ما سبقها كانت حالة مسح للإنسانية، وبعد أن فقدنا الكثير من مقومات الدولة، وسلبت إنسانيتنا، خيارًا وجهرًا، و30 يونيو لم تكن فقط مجرد التخلص من الفاشية الدينية، بل التصدي لمحاولة التجريف الإنسانى المتزايد، وتأكيد ضرورة عودة الإنسانية للمصريين.
وطالب حجازي بالحذر خلال الخطوات المقبلة، مشيرًا إلى أننا نستطيع تأسيس عصر جديد قائم على العدل والحرية والأهلية، قائلا: إذا لم يُقدم المؤهل في هذا الوطن، فسنعانى كثيرًا فنحن حتى الآن غير قادرين على أن ندرك أن التاريخ هو حكمة الماضى، وعلينا أن نهتم أكثر بأن نسأل أنفسنا لماذا نفعل؟ وليس ماذا نفعل؟.
واستطرد قائلاً: لا يجب أن تظل فكرة التعليم للتوظيف فقط، بل للترقي، وعلى الرئيس القادم اختيار نوابه بمعيار الكفاءة وليس لمجرد الشعبية، وأن تكون الكفاءة هي الطريقة التي يختار بها المسئولين، حتى نخرج بالبلد للأمان.
واستنكر سجن المصريين أنفسهم داخل شعارات بعينها، مثل "الشريعة" وهي كلمة حق يراد بها باطل وأصبحت سجنًا لمن يستخدمها، ولا يمكن أن نختزل تفكيرنا داخل مجموعة من المصطلحات كالشيوعية والماركسية والرأسمالية وغيرها، دون أن نفكر ونرصد وننقد ما وراء المصطلح، ونحن معشر المصريين والعرب نعانى من أننا نستسهل وننساق وراء تفكير الأذن وكذلك التفكير باللسان أو ما يسمى إفك أهل الهوى!.
 وتابع حجازي يقول : إن أحد أهم ما نعانيه فى العصر الحالى هو معاناة المعرفة ومعاناة الفهم، نتيجة الكم الهائل من المعلومات، ففى لقاء لى مع أحد الساسة الإنجليز مؤخرًا قال لى أن ما تعلمناه فى قرون، أردتم أنتم معرفته فى بضع سنين، لذا يجب أن يكون هناك أطر لجمع أهداف المجتمع، إن حرب المصطلحات كانت ولا زالت حتى الآن مدخل سرقة عقول وأحلام الشعوب.
المجتمعات دائمًا ما تقع فى فخ الاختيار ما بين واحد وصفر، والإخوان هم أنجح من استخدم هذه النظرية، وكان يراد بذلك أن يكون تيار الإسلام السياسى هو أحد مخالب القط، من خلال شن حرب على رموز الأزهر وشن حرب على رموز المفكرين والمبدعين وأصحاب الرؤى الثاقبة، ليحل محلهم من يخدمون أفكار الجماعة دون جدال أو نقاش.
كما أكد: أن نظام الصندوق المغلق ذهب بغير رجعة، فحكمة الفلسفة تبدأ بسؤال لماذا؟ وأريد أن أبشركم وأقول لكم أننا أبناء عصر جديد عصر ما بعد المعلوماتية، وهو عصر الحكمة والتى تُعد أعلى درجات الفهم.
وأشار إلى أننا شعب يعرف جيدًا ما يريد، وكيف نزيح ما لا نريد، خلعنا رئيس في 18 يوم، وتحسن الأمر وأزحنا أخر في 3 أيام، مضيفًا أن من يعتقد أننا أنهينا على الفاشية الدينية في مصر في 3 أيام مخطئ، فالتفكير فى إسقاط الإخوان بدأ من 5 ديسمبر، عقب الإعلان الدستورى.
لقد أجبرونا فى العقود الماضية أن نفقد الثقة فى كل شى، وخيارنا ما بين إما أن نكون ملائكة أو نكون شياطين، والمجتمع لم ولن يستقم على هذا المنوال، لأننا فى النهاية بشر لسنا بملائكة ولا بشياطين، نخطئ ونصيب، والمشكلة ليست فى الخطأ وإنما فى الإصرار عليه.
وتابع: لا مكان لمن يريد أن يكون على طرف الوطن، وخارج سياق المجتمع، ويجب أن يكون أداؤنا الفترة القادمة وفق معيار محدد قبل أن نتحرك، إن الصراع الحقيقي في مصر الآن، والعالم كله، ليس بين الاشتراكية والرأسمالية، بل بين عقلية ماض، وعقلية مستقبل، فالماضي يموت ولن يتحلل، لكنه إلى زوال وما نراه من أعمال في الشارع المصري من قبل جماعة الإخوان هو لبقايا نظام مات، ويأبي أن يتحلل دون أن يضر الآخرين، فهم يمارسون حرب استنزاف ستطول لفترة، فهم يعادون فكرة الدولة، ويجب أن نعلم أن دولة الإخوان هي إحدى إقطاعيات دولة مبارك، وهذا سبب رفض الشعب لهم، كونهم جزءا من النظام القديم، لكن علينا أن ندرك أن الماضي لن يستطيع إخفاء المستقبل، الذي يتمثل في الشباب.
وأضاف: كنا ضحايا ليس لحكامنا فقط، بل لتواطؤ المصلحة، وإذا كنا نريد التقدم لهذا المجتمع، لا يجب أن نغلّب المصلحة الخاصة على المصلحة العامة. مضيفًا أن هذا الدستور هو هبة الشعب لنفسه، وإن اختلفنا على بعض مواده، مضيفًا أنه كتب بعناية كبيرة جدًا، إن التعدد والتنوع والصراع، التي تشهدها الساحة السياسية المصرية تعد أهم عوامل القوة لدينا، لكن ما تفعله الجماعة الإرهابية، خارج فكرة الدولة، فلا يمكن أن نعتبر أفعالهم الإجرامية، نوعًا من التعبير عن الرأي.
وحول ما نقل عنه من قبل بأنه قال إن الإسلام إلى زوال قال حجازى: إنه قال الإسلاموية وهو مصطلح على غرار الشيوعية ولا يقصد به الإسلام كدين.. والحرية مكفولة للجميع ومن يريد أن يعلن أنه ينتمى إلى فكر ما فهذا شأنه ولكن، ولكن أن يقر بأنه هو فقط من على صواب ومن يخالفونه فى الرأى هم كفار وملحدين وزنادقة، فهذه إذن هى الفاشية الدينية والرؤية الظلامية، والتى يجب علينا أن نحاربها.
  أما عن غرق النخبة المثقفة فى مصر فى التنظير دون المساس بما هو موجود على أرض الواقع، أوضح حجازى أن لا يدعى أنه ينتمى للنخبة، بل هو مفكر وكاتب، كما أن مفهوم النخبة هو مفهوم براق وفضفاض، فهل المقصود بالنخبة هنا أولئك الذين سئم الناس من رؤيتهم والذين احتكروا كافة وسائل الإعلام، أم أولئك الذين يعملون فى صمت، ويخدمون المجتمع فى كافة مجالاته.
علينا أن نتفق أنه لكي يحدث تغيير على أرض الواقع ويكون فى صالح المجتمع، فيجب أن يكون لدينا فلسفة واضحة لما نريد فعله، ثم رؤية، ثم خطط، ثم نقوم بتنفيذ هذه الخطط، وهذه الخطوات مرهقة جدًا، كما يجب أن يكون هناك على وفلسفة للإصلاح؟، وإذا لم نبدأ منظومة الحركة من لماذا وصولاً إلى كيف، فلا فائدة مما نقوم به، وعلينا أن نعرف جيدًا أن أقصر الطرق فى الوصول إلى الهدف ليست هى الأفضل دائمًا.
وأكد حجازى أنه لا وجود لاحتكار دين ولا وطن ومن أراد أن يحيا وأن يكون مواطنًا مصريًا عليه أن يعرف أنه مواطن فى منظومة داخل المجتمع المصرى، بنص الدستور لا يستطيع أحد تكفير أحد ولا تخوين أحد والشعب هو من يدافع عن مستقبله والحكم للقانون ولا يوجد مشروع ولا تنظيم ولكن يوجد وطن وهو مصر، وهناك مشقة لاستعادة أنفسنا من حالة الفوران.
وأكد أنه لا عودة لما قبل 25 يناير و30 يونيو، ولا احتكار لدين أو وطن، فالجميع مصريون، والفيصل بيننا هو الكفاءة.
وبدهاء لم يجب حجازى بشكل واضح عن إمكانية ترشحه للرئاسة، لكنه قال "المسار واضح جدًا، المصريون بذكاء شديد، وضعوا المعيار الحقيقي الذي على أساسه يتم اختيار الرئيس".