القاهرة – مصر اليوم
صرح وزير الأوقاف، الدكتور محمد مختار جمعة، أن دعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي لتجديد الخطاب الديني جاءت في وقتها المناسب تمامًا، وهناك الكثير الذي يتعلق بمدى الاستجابة لهذه الدعوة التي ألقت بظلالها على المؤسسات الدينية ووجدت استجابة سريعة، وفي أحد المؤتمرات قلت يا سيادة الرئيس لقد أسمعت حيًا وناديت مجيبًا، ونحن في وزارة الأوقاف أخذنا دعوة الرئيس بمنتهي الجدية، عن قناعة، لكن لابد أن نوضح أن الخطاب الديني، والتعليمي، والثقافي والتربوي، والعقلي، كل ذلك لا يمكن أن يتحول بين يوم وليلة مهما كان حجم الجهد المبذول، لأن الأمور العقلية والتربوية والثقافية، أمور تراكمية، فالثقافة والبناء العقلي أمر تراكمي.
وتابع جمعة، في حديث خص به جريدة الأهرام: "قد تعاملت الوزارة مع دعوة الرئيس لتجديد الخطاب الديني، من خلال عقد ثلاثة مؤتمرات كبري، الأول كان عن "خطورة التكفير والفتوي بدون علم علي المصالح الوطنية"، والثاني كان "عظمة الإسلام وأخطاء بعض المنتسبين إليه، وقد تم طباعة توصيات المؤتمر وترجمتها إلي عدة لغات أجنبية، ويوزع حاليًا في أنحاء العالم من خلال وزارة الخارجية، والمؤتمر الثالث الذي عقد أخيرا حول "تجديد الخطاب الديني"، وقد أصدرت الوزارة كتاب "تجديد الخطاب الديني"، وتم ترجمته إلي 14 لغة أجنبية، وفي الاحتفال بليلة القدر ستكون الوزارة قد انتهت من طباعة الترجمة باللغات المختلفة، ونعمل بكل جهد ونسابق الزمن، للدفع بالشباب المتميز في مواقع المسئولية، وتم تغيير 60% من مديري الإدارات، وجهاز التفتيش بالوزارة كان شديد الضعف، ونعمل حالياً علي تطويره ودعمه، ودفعنا بعدد من الشباب المتميز الحاصل علي الدكتوراة في جهاز التفتيش بالوزارة، ونعالج جميع مواطن الضعف، وندفع بالكفاءات والمتميزين".
وأكد جمعة أن الخطاب الديني تعرض لمحاولات لاختطافه والمتاجرة به، واستخدمه المتطرفون غطاء لأعمالهم المشبوهة ضد أوطانهم بهدف إسقاطها وتفتيتها وتمزيقها، وتحويلها إلي بؤر وجماعات متصارعة، وأرى أن الخطاب الديني تكتنفه ثلاث معضلات كبري، الأولي: هي معضلة الجمود، من هؤلاء المنغلقين الذين يرون أن باب الاجتهاد قد أغلق، وأن الأمة لم ولن تلد مجتهدًا بعد وعقمت عقمًا لا براء منه، متناسيين أو متجاهلين أن الله، عز وجل، لم يخص بالعلم ولا بالفقه قومًا دون قوم، أو زمانا دون زمان، وأن الخير في أمة محمد (صلي الله عليه وسلم) إلي يوم القيامة.
كما أن ظاهرة "الإسلاموفوبيا" أو الخوف من الإسلام ، تعد أحد التحديات التي تواجه التجديد، فبعض هؤلاء المتخوفين يظن خطأ أن علاج التشدد إنما يكون بالذهاب إلي النقيض الآخر، مما يعود بنا إلي عقود من الصراع حدث فيها خلط كبير بين مواجهة التطرف وأهمية التدين، حيث توهم بعض المتخوفين من الإسلام أن محاربة التطرف تقتضي وتستلزم تجفيف منابع التدين، فاصطدموا بالفطرة الإنسانية، "فطرة الله التي فطر الناس عليها"، ونسوا أن أفضل طريق لمواجهة التطرف هي نشر سماحة الأديان، وتحصين الناس بخاصة الناشئة والشباب بصحيح الدين، وأنك لا تستطيع أن تقضي علي التطرف من جذوره إلا إذا عملت بنفس القدر والنسبة علي مواجهة التسيب والانحلال والإلحاد الذي صار موجها لخلخلة مجتمعاتنا شأن التشدد سواء بسواء، فأطلقت وزارتا الأوقاف والشباب مبادرة مشتركة لمواجهة الإلحاد تحت عنوان "بالعقل كده"، إيمانًا منهما بخطورة الإلحاد علي أمن الوطن واستقراره ونسيجه الاجتماعي.
وشدد جمعة أن المساس بثوابت العقيدة والتجرؤ عليها وإنكار ما استقر منها في وجدان الأمة لا يخدم سوى قوى التطرف وخاصة في ظل الظروف التي نمر بها، لأن الجماعات المتطرفة تستغل مثل هذه السقطات لترويج شائعات التفريط في الثوابت مما ينبغي التنبه له والحذر منه، فإذا أردنا أن نقضي علي التشدد من جذوره فلابد أن نقضي علي التسيب من جذوره، فلكل فعل رد فعل مساو له في النسبة ومضاد له في الاتجاه. والتجديد يحتاج إلي شجاعة وجرأة محسوبة، وحسن تقدير للأمور في آن واحد، وما ثبت بدليل قطعي الثبوت والدلالة، وما أجمعت عليه الأمة وصار معلوما من الدين بالضرورة كأصول العقائد وفرائض الإسلام من وجوب الصلاة، والصيام، والزكاة، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا، كل ذلك لا مجال للخلاف فيه، فهي أمور توقيفية لا تتغير بتغير الزمان ولا المكان و الأحوال، فمجال الاجتهاد هو كل حكم شرعي ليس فيه دليل قطعي الثبوت والدلالة.
وتابع جمعة أن بعض فتاوى الأئمة المجتهدين ناسبت عصرها وزمانها، أو مكانها، أو أحوال المستفتين، وتسارع وتيرة الحياة العصرية في شتي الجوانب العلمية والاقتصادية والتكنولوجية، والتقلبات والتكتلات والتحالفات والمتغيرات السياسية، كل ذلك يحتم علي العلماء والفقهاء إعادة النظر في ضوء كل هذه المتغيرات، وليعلم الجميع أن الإقدام علي هذا الأمر ليس سهلا ولا يسيرا، ويحتاج إلي جهود ضخمة من الأفراد والمؤسسات، غير أننا لابد أن ننطلق إلي الأمام، وأن نأخذ زمام المبادرة للخروج من دائرة الجمود. بشرط أن ينضبط بميزاني الشرع والعقل، وألا يترك لغير المؤهلين وغير المتخصصين أو المتطاولين الذين يريدون هدم الثوابت تحت دعوي التجديد، فالميزان دقيق، والمرحلة في غاية الدقة والخطورة، لما يكتنفها من تحديات في الداخل والخارج.
وأوضح جمعة أن "وثيقة الأوقاف لتجديد الخطاب الديني" تمثل خطة عمل واضحة في هذا المجال، وقد جاءت هذه الوثيقة، بعد جلسات وورش عمل، شارك فيها نخبة من العلماء والمفكرين والمثقفين والكتاب والمبدعين، وتضمنت الوثيقة الكثير من الضوابط والآليات الخاصة بتجديد الخطاب الديني، وتميزت الوثيقة بأن شارك فيها نخبة متميزة، وكان منهم وزراء الأوقاف والثقافة والشباب، السيد عمرو موسي، والمفكر الدكتور مصطفي الفقي، والفنان محمد صبحي، وذلك بجانب كبار العلماء والدعاة، وذلك لأن تجديد الخطاب الديني يتطلب تجديد الخطاب الثقافي والإعلامي والعقلي، كما أن هذه الوثيقة حملت المؤسسات التعليمة والثقافية والإعلامية، مسئولية كبري بجانب المؤسسات الدينية، لأنه بدون التنسيق الكامل بين هذه الجهات مع المؤسسة الدينية، لن تكون هناك نتائج حقيقية لهذه التوصيات، لأننا في حاجة لتضافر جهود العلماء والمفكرين والمثقفين، موضحا أنه وفور صدور الوثيقة تم تشكيل لجان بالوزارة لتفعيل هذه التوصيات علي أرض الواقع، وستكون هناك الكثير من النتائج الإيجابية، من خلال تأهيل الأئمة والدعاة، وفتح مراكز الثقافة الإسلامية وتطويرها، لأننا نريد أن نعيش بين الناس، وألا نكتفي بحياتنا بين الكتب، كما أننا في حاجة إلي توسيع مداركنا الثقافية لتواكب تطورات العصر، وفي حاجة أكثر إلحاحًا إلى امتلاك شجاعة التجديد، وأن نعمل بروح الفريق الواحد علماء ومفكرين ومثقفين وكتاب.
وأضاف جمعة أنه فور توليه الوزارة قال أنه في هذه الفترة إذا استطاع الخطيب أن يخرج بالناس من خطبة الجمعة دون أي شجار أو مشكلات داخل المسجد، يكون الخطيب قد نجح في ذلك الوقت، لأن الجماعات المتشددة كانت تحشد أنصارها، والمساجد الكبري كانت تحدث فيها الكثير من المشكلات والخلافات بعد كل صلاة، وهناك كثير من الأحداث التي حدثت في مسجد أسد بن الفرات، والقائد إبراهيم بالإسكندرية، ومسجد التوحيد، ومسجد العزيز بالله، ومسجد المراغي في حلوان، وغيرها، وكانت هذه المساجد خارج سيطرة الوزارة تمامًا، ومجرد أداء الصلاة في هذه المساجد كان أمرًا صعبًا إذا لم يكن المصلي من أعضاء تلك الجماعات التي تسيطر علي هذه المساجد، وما كان أحد يتوقع أن تعود سيطرة الوزارة علي هذه المساجد بسهولة. وعندما قررت الوزارة منع غير المتخصصين من صعود المنابر وأن تكون الخطابة للأزهريين فقط، كان البعض يظن أنها مجرد أحلام غير قابلة للتطبيق على أرض الواقع، وشهدت سيطرة الجماعات المتشددة علي هذه المساجد العديد من التجاوزات، وكانت المساجد تستخدم كمقرات للانتخابات وتوزيع المنشورات، كما كانت أموال النذور توظف لحركات الإسلام السياسي، والاعتكاف كان يستغل في توزيع المنشورات، لكن حاليًا استطاعت الوزارة أن تفرض سيطرتها علي جميع المساجد علي مستوي الجمهورية، وقيادات الوزارة والأئمة يبذلون جهدًا كبيرًا للسيطرة علي المساجد ومواجهة أصحاب الفكر المتشدد، وقوة الدولة عادت لمنع مزيد من التغذية في اتجاه التشدد أو استخدام المساجد سياسيًا، وأئمة وعلماء الأوقاف يسيطرون علي المساجد الكبري، وهناك نماذج متميزة لذلك، لأن البعض كان يظن أنه لو غاب عن الساحة الدعوية لن تستطيع الوزارة أن تسيطر علي المساجد، فأئمة الأوقاف في المساجد الكبري مثل، مسجد النور بالعباسية، والقائد إبراهيم، وقاهر التتار، والاستقامة بالجيزة، وعمرو بن العاص، والسيدة نفيسة، والسيدة زينب، ومسجد الحسين بالقاهرة، والسيد البدوي بطنطا، والمرسي أبو العباس، وأئمة الأوقاف بخير وهناك نماذج متميزة.
وشدد جمعة أن تيارات الإسلام السياسي تاجرت بالهوية الإسلامية وهم لا يؤمنون بوطن ولا دولة وطنية، الهوية اليوم هي الوطنية، وليس معني ذلك أن ننكر باقي الهويات، فنحن مصريون عرب مسلمون أفارقة، والانتماء الأول للوطن الذي نعيش فيه، ثقافتنا عربية إسلامية ولنا امتداد وعمق إفريقي، هويتنا ذات أبعاد متعددة، الدولة الوطنية والمواطنة الكاملة، وحدود الدولة الوطنية وسيادتها هو الولاء الأول، فالأوطان هي وعاء الإسلام، ودولة الخلافة العظمي كلمة حق يراد بها باطل، لتذويب الولاءات الوطنية لصالح وطن مزعوم موهوم يخدعون الناس به، فتتساقط الدول وتتفكك.
هل توجد مجاملة من جانب الوزارة للسلفيين في منح تصاريح الخطابة وصعود المنابر وإلقاء الدروس الدينية؟
ونفى جمعة وجود مجاملة من جانب الوزارة للسلفيين في منح تصاريح الخطابة وصعود المنابر وإلقاء الدروس الدينية، قائلًا: "تحكمنا قواعد وضوابط تصيب من تصيب، وتخطئ من تخطئ، وكما أننا لا نجامل أحدا، فإننا لسنا في عداء مع أحد، إلا علي أساس المصلحة الوطنية والشرعية، ومن يخرج علي المصلحة الوطنية والشرعية نقف له بالمرصاد، ليس لدينا حكم مسبق علي أحد أو لأحد، وليس هناك توجيهات، فالأوقاف تعمل من منطلق شرعي ووطني ومراعاة الأمور العامة وما تقتضيه المصلحة الوطنية، ولسنا مضطرين لمجاملة أحد".