الرئيس عبد الفتاح السيسي في سياق لقائه مؤخرًا مع وزير الدفاع الروسي سيرجي شويجو

يقوم الفن التشكيلي المصري بدور كبير ضمن منظومة أدوات القوة الناعمة لمصر لدعم العلاقات مع الدول الصديقة مثل روسيا والصين جنبًا إلى جنب مع مواجهة مغالطات فجة تتردد أحيانًا في الخطاب الثقافي والإعلامي الغربي بشأن المشهد المصري.

وأكد الرئيس عبد الفتاح السيسي في سياق لقائه مؤخرًا مع وزير الدفاع الروسي سيرجي شويجو، حرص مصر على تعزيز التعاون مع روسيا في مختلف المجالات، لافتًا إلى أن الأبعاد الفكرية والثقافية تدخل ضمن مقاربة شاملة لمواجهة التنظيمات المتطرفة.

ويستحق معرض حالي للفنون التشكيلية المصرية في المركز الثقافي الروسي الإشادة بقدر ما يستدعي ذكريات عزيزة لعلاقات تاريخية وودية بين شعبين صديقين يتطلعان معًا الآن لهزيمة التطرف وقوى الظلام من أجل عالم أفضل وغد أكثر إشراقًا.

وافتتح معرض "مركزنيل الزمالك" للفنون الذي يختتم الأحد مدير المركز الثقافي الروسي في القاهرة اليكسي تيفانيان، ورئيس الجمعية المصرية لخريجي الجامعات الروسية والسوفييتية شريف جاد، ويضم أكثر من 100 لوحة تعكس جوانب متعددة في الحياة المصرية.

وتبلغ مدة هذا المعرض عشرة أيام بمشاركة 40 فنانًا، وحضر العديد من الدبلوماسيين حفل الافتتاح في قاعة المعارض الكبرى في المركز الثقافي الروسي الذي أكد مديره اليكسي تيفانيان ترحيبه دومًا بالتعاون مع الفنانين المصريين لمد جسور التواصل الثقافي بين البلدين الصديقين.

وأعرب تيفانيان عن سعادته بالحضور الكثيف لفنانين ومثقفين في المعرض، فيما جرى تكريم بعض الفنانين المشاركين فيه، ومن بينهم نهى براد وهالة محمود وأشرف الأزهري وسعاد مراد وسهير مصطفى وشيرين كمال وسمية محجوب وهاني بهمان وأمير الوصيف وميرنا الغضبان.

وضمن أنشطته المميزة يبدي المركز الثقافي الروسي في القاهرة اهتمامًا ملحوظًا بإبداعات الفن التشكيلي المصري وتشهد قاعاته من حين إلى آخر افتتاح معارض فنية مصرية في مناسبات مهمة وسهرات رمضانية مثلما حدث من قبل في معرض "فرحة مصرية".

ويمكن القول إن أنشطة المركز الثقافي الروسي في القاهرة تشمل العديد من الأنشطة والمجالات الثقافية ومن بينها السينما، فيما يدعو وكيل نقابة المهن التمثيلية الفنان سامح الصريطي إلى استعادة أمجاد العلاقات الثقافية بين مصر وروسيا.

وبالتعاون مع الجمعية المصرية لخريجي الجامعات الروسية والسوفييتية وبرعاية وزير الثقافة حلمي النمنم شهد مسرح المركز الثقافي الروسي في القاهرة الثلاثاء الماضي احتفالية خاصة بمناسبة مرور 55 عامًا على تأسيس جمعية الفيلم في مصر التي نهضت بدور مهم في دعم الثقافة السينمائية.

وأفاد الفنان التشكيلي محمد الأزهري: "نهدي معرض نيل الزمالك إلى الشعب الروسي تعبيرًا عن روح المحبة في قلوب المصريين وتعاطفهم الكامل مع عائلات ضحايا حادث طائرة الركاب المنكوبة"، مؤكدًا في الوقت ذاته أن العلاقات المصرية الروسية ماضية قدمًا إلى الأمام وهي أقوى من كل مكائد المتطرفين.

وأكد نائب وزير الدفاع الروسي اناتولي انطونوف في تصريحات بثتها وكالة أنباء "نوفوستي" على أهمية ما تقوم به مصر في مجال مكافحة التطرف معربًا عن اتفاق موسكو مع الرأي القائل إن تفجير طائرة الركاب الروسية فوق سيناء كان عملًا موجهًا ضد العلاقات الروسية المصرية.

ويعد أغلب الفنانين المشاركين في هذا المعرض من تلاميذ الفنان محمد الأزهري، فيما بدت المدرسة التأثيرية واضحة في العديد من اللوحات التي تعبر عن ملامح التحدي في مواجهة الظروف والمعطيات القاسية، وبعضها عبر عن الطوائف المهنية وأصحاب الحرف اليدوية فضلًا عن المرأة المصرية في خضم الحياة اليومية ومن بينها "بورتريه" للفنانة التشكيلية أميرة علاء لسيدة ريفية يعبر عن "المعاناة والأمل".

وتثير لوحات تشكيلية في المعرض الحالي في المركز الثقافي الروسي حالة من التفاؤل حيال مستقبل الفن التشكيلي والنحت في بلد أنجب فنانين تشكيليين ونحاتين خلدتهم ذاكرة الإبداع المصرية والعالمية مثل محمود سعيد ومحمد ناجي وصلاح طاهر وسيف وأدهم وانلي وبيكار وحسن سليمان وأحمد فؤاد سليم وصولًا إلى محمد عبلة.

ويعبر المعرض الحالي في المركز الثقافي الروسي ضمنًا عن روح التحدي في مواجهة التطرف، ولا يجوز تناسي الفنان الراحل عبد البديع عبد الحي الذي قضى منذ نحو 11 عامًا وكان يحول إحباطه وهمومه الحياتية كمواطن مصري بسيط وكادح إلى طاقة إبداع تتجلى في أعماله النحتية، فيما يعد مثالًا لمعنى "الفنان الفطري والإنسان المصري المبدع بالسليقة".

وبات عالم الفن التشكيلي والنحت يشكل هدفًا لوسائل الإعلام الوازنة عالميًا مثل هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" التي اهتمت ببيع منحوتة للفنان الشهير هنري مور بمبلغ 7.2 مليون دولار أثناء مزاد للأعمال الفنية أقيم الأربعاء الماضي في العاصمة البريطانية لندن.

وأوضحت هيئة الإذاعة البريطانية، أن هذه المنحوتة للبريطاني هنري مور تمثل معالجة تجريدية لشخص مستلق كما بيعت لوحة "رصيف السكة الحديد" للفنان إل.إس.لوري في هذا المزاد لأعمال فنانين بريطانيين وايرلنديين بثمن بلغ 5.2 مليون دولار معيدة للأذهان أن لوحة للوري باسم "مباراة كرة القدم" سبق وأن بيعت عام 2011 بمبلغ وصل إلى 6.5 مليون دولار.

وكانت الكتب تتوالى في الغرب عن الفنانين الأحياء والراحلين مثل ذلك الكتاب الجديد عن الفنان الإسباني الراحل بابلو بيكاسو الذي جاء في صورة سيرة ذاتية مصورة عن أعوامه الأولى في فرنسا وتسكعه في حي مونمارتر الباريسي، فإن فنانًا كانت حياته تشكل نموذجًا لتحدي المعطيات الصعبة والظروف القاسية حتى لحظة النهاية مثل عبد البديع عبد الحي جدير بكتاب أو أكثر.

وتعتبر هذه الإبداعات لفنانين تشكيليين مصريين مهمة في عملية تحصين الذاكرة الوطنية المصرية بقدر ما تنتصر للجمال كقيمة إنسانية، ويخاطب هؤلاء الفنانون بإنتاجهم الثقافي كل من يهمه الأمر في عالم كتب عليه أن يعاني من محاولات آثمة للمحو الحضاري والتجهيل ومسخ الهوية وتحويل الوطن إلى سوق "لا مكان فيه للذاكرة ولا مكان للأبطال" كما قالها ذات يوم عظيم الرواية المصرية نجيب محفوظ وهو يستشرف المستقبل في مجموعته القصصية "صدى النسيان".

وغني عن البيان القول إن الفنون التشكيلية بقدر ما تؤثر في أي مجتمع فهي تتأثر بمتغيراته وثوراته كما هو الحال في بلد كمصر تأثرت فيه الفنون التشكيلية بصورة واضحة على إيقاع ثورة 1919 وثورة 23 تموز / يوليو 1952 فيما لن يكون من قبيل المفاجأة أن تنجب ثورتي يناير ويونيو أسماء جديدة وكبيرة في عالم الفن التشكيلي.

وتوجد ثمة حاجة لضرورة العمل فورًا من أجل افتتاح كل المتاحف الفنية وتفعيل "المتحف الجوال" وعمل عضوية في المتاحف لطلاب المدارس والجامعات وإنشاء قاعدة بيانات لقطاع الفنون التشكيلية وتفعيل خطط التسويق والإعلان عن أنشطة هذا القطاع في وزارة الثقافة فيما كانت مدير مركز "الجزيرة" للفنون الدكتورة إيناس حسني لفتت لخطأ "الاكتفاء بالنظر لأنفسنا من الداخل أكثر من الاهتمام برأي العالم فينا".
 ويؤشر الوضع الراهن إلى أهمية منح قطاع الفنون التشكيلية في وزارة الثقافة ما يستحقه من اهتمام وبناء علاقات بناءة بين الأجهزة والمؤسسات الثقافية الرسمية وتلك التي تقع خارج الأطر الرسمية لصالح شعب مصر ودفاعًا عن قضاياه ودرء شرور الحروب الدعائية الإعلامية التي تشنها قوى معادية لمصر والمصريين بلا هوادة وعبر أشكال وصيغ مختلفة.

ومن الأهمية بمكان في هذا السياق كسر النخبوية المفترضة للفن التشكيلي لتكون لوحاته متاحة لكل المصريين تمامًا كما هو الأمل المنشود لتجليات ثقافية أخرى كالشعر والموسيقى والرواية ومن أجل تعميق ثقافة الحق والخير والجمال في أرض الكنانة التي تعشق بفطرتها الطيبة كل ما هو جميل.

وأكد وزير الثقافة الأسبق الدكتور شاكر عبد الحميد أن نجاح عناصر وأدوات القوة الناعمة ومن بينها الفنون التشكيلية يرتبط بمدى قربها من الناس ومشاكلهم وأن لا يتم التعامل معها باعتبارها مجرد وسائل للترفيه والرفاهية.

ويعد اللافت للنظر أن بعض أهم رسامي الكاريكاتير في مصر مثل الراحل العظيم مصطفى حسين والفنان الكبير الراحل أحمد طوغان الذي وصف عن جدارة "بشيخ رسامي الكاريكاتير في مصر" لهم إسهامات إبداعية مهمة في الفن التشكيلي فيما ضمت باقة الفنانين التشكيليين المصريين أسماء خالدة في الحياة الثقافية المصرية مثل الراحل حسن فؤاد صاحب شعار "الفن في خدمة الحياة" والمناضلة إنجي أفلاطون والمبدع عبد الغني أبو العينين، ناهيك عن الأستاذ عبد السلام الشريف.

ويعتبر التشكيلي المصري مؤهلًا كتجل أصيل من تجليات الثقافة المصرية لمواجهة الهجمة غير المسبوقة على مصر والعالم العربي ككل وهي هجمة تحمل في ثناياها مآرب من يقف وراءها من أطراف رئيسة وعميلة من قتل للذاكرة وإهانة للشعوب وهو ما تؤشر إليه بوضوح عمليات الاستهداف المتعمد للمتاحف والإبداعات الفنية منذ بدء تنفيذ مخطط الفوضى الخلاقة بغزو العراق ونهب متاحف بغداد وأعز روائع تراثها.