القاهرة - محمود حساني
المطلع جيداً على التحقيقات التي تُجريها الجهات المعنية بالتحقيق مع المتهمين في الحوادث والعمليات المتطرفة التي شهدتها مصر منذ ثورة 30 حزيران/يونيو ، والتي استهدفت الجزء الأكبر منها قوات الجيش والشرطة ، يجد أمرًا مشترك في جميع هذه الوقائع ، وهي أن المتهمين في هذه الوقائع من المنتسبين أو من خريجي جامعة الأزهر الشريف, وكان أبرز هذه الحوادث وأشهرها ، هو حادثة اغتيال النائب العام المستشار هشام بركات ، الذي وقع في 29 حزيران/يونيو 2015 ، حيث كشفت التحقيقات التي باشرتها نيابة أمن الدولة العُليا ، عن كارثة من العيار الثقيل تُنذر بالخطر الشديد ، وهي أن من ضمن المشاركين في تلك العملية المتطرفة ، أربعة من طلاب جامعة الأزهر الشريف .
وجاءت أسماء المتهمين وفقًا للتحقيقات النيابة على النحو التالي :المتهم الأول، يدعى محمود الأحمدي عبد الرحمن، واسمه الحركي "محمدي"، طالب في كلية لغات وترجمة جامعة الأزهر، الفرقة الثالثة، مقيم في قرية كفر السواقي، مركز أبو كبير شرقية، شارك في كثير من مظاهرات الشغب والعنف داخل أروقة الجامعة، بالإضافة إلى عدد من مسيرات الشغب والتفجير للإخوان، ومنها المحولات الكهربائية, والمتهم الثاني، يدعى أبو القاسم أحمد علي منصور، واسمه الحركي "هشام"، طالب في جامعة الأزهر، في كلية الدعوة، من محافظة أسوان، وشارك في العديد من أعمال الشغب الطلابي في الجامعة، وبعض أحداث إرهاب الإخوان في المحافظات, والمتهم الثالث في القضية، يدعى أحمد جمال أحمد محمود، واسمه الحركي "علي"، الطالب في معهد تحليل جامعة الأزهر، محافظة الشرقية، شارك في الاعتصام أيضًا، ثم انضم لخلايا العمل النوعي، وكوّن مجموعات رصد لكمائن وقوات الشرطة داخل الجامعة وخارجها، وكذلك معسكرات الوفاء والأمل وتحركات رئيس الجامعة, أما المتهم الرابع، يدعى محمد أحمد سيد إبراهيم، واسمه الحركي "كامل أبو علي"، طالب في كلية اللغات والترجمة، جامعة الأزهر، مركز أبو كبير الشرقية، شارك في اعتصام رابعة، وكذلك في العمل النوعي، وفى قطع الطرق، وتفجير أبراج الكهرباء، وحرق سيارات الشرطة.
وأبدى عدد من الخبراء المعنيين بالشأن المصري ، بعد ما أسفرت عنه هذه التحقيقات ، قلقهم الشديد ، تجاه تورط المنتسبين أو خريجي جامعة الأزهر الشريف في العمليات المتطرفة الأخيرة ، لاسيما أن الأزهر يعد رمزاً للفكر الوسطي الذي يدعو إليه الدين الإسلامي الحنيف ، وينتسب إليه سنويًا الآلاف من طلاب مصر ومن مختلف بقاع العالم العربي والإسلامي .
" ما كان يصلح في الماضي, لن يصلح في الحاضر, وما يصلح في الحاضر, لن يصلح في المستقبل " ، بهذه الكلمات بدأ الباحث في تاريخ الجماعات المتطرفة ، نبيل نعيم ، حديثه إلى "مصر اليوم " ، قائلاً : هذه قاعدة فقهية ثابتة ، يحرص على تداولها أساتذة الفقه والشريعة الإسلامية في جامعة الأزهر ، غير أن تطبيقها على أرض الواقع ليس لها وجود ، فما زالت هناك مناهج دراسية تُدرس لطلاب الأزهر الشريف ، عفا عنها الزمن ولا تتناسب مع التحديات التي تواجه مصر خلال الظرف الراهن ، والتي يأتي على رأسها محاربة قوى الشر والتطرف ، والتي تتخذ من الدين سلاحاً لها وأداة لاستقطاب عناصرها .
وأضاف, أن هناك الآلاف من عناصر جماعة الإخوان المحظورة ، طلاب في جامعة الأزهر الشريف ، وهو ما يفسر لنا أسباب زيادة أعمال العنف التي شهدتها الجامعة بعد الإطاحة بنظام الرئيس المعزول محمد مرسي ، يتخذون من تعاليم الجماعة ، ومناهج الأزهر ، مبررًا لإرتكاب العمليات المتطرفة ، مشيرًا إلى أن هناك مناهج مُقررة على طلاب الأزهر ، لا تناسب الوقت الراهن ، فأهم ما يميز الفقه الإسلامي التحديث والتجديد بما يناسب كل زمن ، فما كان يصلح في الماضي لن يصلح بالتأكيد في وقتنا الحالي ، داعيًا الأزهر الشريف إلى القيام بدوره في محاربة التطرف ، من خلال تعديل مناهجه الدراسية أولاً.
ويتفق معه رئيس الجبهة الوسطية لمحاربة التطرف ، صبرة القاسمي, على أن هناك بالفعل عدد من المناهج الدراسية التي يتم تدريسها لطلاب الصف الثالث الإعدادي والصف الثالث الثانوي ، تُحرض صراحةً على العنف والتطرف والكراهية ونبذ الطرف الأخر المخالف للعقيدة ، مستدلًا على صحة كلامه ، ما تضمنه كتاب " الشرح الصغير " ، المُقرر على طلاب الصف الثالث الثانوي ، حيث جاء في الصفحة "146 " ، تحت عنوان مدى جواز قتل المخالفين للشريعة ، نصاً كالتالي :وله- أي للمسلم- قتل الزاني المحصن، والمحارب، وتارك الصـلاة، ومن له عليه قصاص، وإن لم يأذن الإمام في القتل، لأن قتلهم مستحق، ثم بعد ذلك يأكل منه ما يشاء" ، كذلك ما تضمنه كتاب " الاختيار لتعليل المختار " ، والمُقرر على طلاب الصف الثالث الثانوي ، حيث جاء في الصفحة 366 حول أحكام المرتد في الفقه الإسلامي ، نصاً كالتالي :- "وإذا ارتد المسلم يُحبس ويعرض عليه الإسلام، وتُكشف شُبهته، فإن أسلم وإلا قُتل، فإن قتله قاتل قبل العرض لا شيء عليه ،ويزول ملكه عن أمواله زوالا مراعي، فإن أسلم عادت إلى حالها".
وتابع رئيس الجبهة الوسطية لمحاربة التطرف قائلاً "إن مثل هذه النصوص التي يتم تدريسها لطلاب الأزهر خلال العقود الماضية ، والتي مازال حتى الآن يتم تدريسها لطلاب الأزهر ، تُنذر بالخطر الشديد ، فهي دعوة صريحة على القتل والعنف وإراقة الدماء .
وطالب صبرة القاسمي ، الأزهر الشريف ، باعتباره المعني بتجديد الخطاب الديني ، ضرورة التعجيل في عمل اللجان المُكلفة بتعديل المناهج الدراسية ، التي تحث على العنف والكراهية وقتل الآخرين ، مبيناً أن ليس من المنطقي أن نتحدث عن تجديد الخطاب الديني ، ومحاربة الأفكار المتطرفة ، في الوقت الذي تدعو فيه المناهج الدراسية تحت أعين وبصر الجميع على العنف وإسالة الدماء ، مشيراً إلى أن تورط عشرات من خريجي جامعة الأزهر ، في العمليات المتطرفة ، راجعاً إلى هذه المناهج التي تُشكل عقولهم ، وتبيح لهم شرعاً قتل الأخر ، وهو أمر يخالف تعاليم الدين الإسلامي الحنيف.
وأكد استاذ الشريعة الإسلامية في جامعة الأزهر الشريف ، الدكتور عادل صديق, على أن هناك لجنة تم تشكيلها بالفعل لتعديل عدد من المناهج الدراسية ، مبيناً أنها تعمل على قدم وساق للإنجاز هذه المهمة.
وأشار أستاذ الشريعة الإسلامية إلى أنه تم الانتهاء بالفعل من تعديل عدد من المناهج التي تُدرس لطلاب الصف الثالث الإعدادي وطلاب الصف الثالث الثانوي ، والتي تضمنت موضوعات لا تناسب الوقت الراهن ، وإضافة مناهج جديد متعلقة بنبذ التطرف والعنف وسبُل محاربته ، والتي بدءً من العام المقبل سيتم تدريسها على طلاب الأزهر الشريف في مختلف المراحل.