وزارة الخارجية المصرية

تواجه مصر العديد من التحديات والأزمات على الصعيد الداخلي والخارجي، فداخليًا تواجه أزمات اقتصادية طاحنة، يأتي على رأسها الارتفاع المستمر لقيمة الدولار في مواجهة الجنيه، وانقسام سياسي إزاء عددًأ من المواقف، وخارجيًا تواجه محاولات حثيثة لجرها نحو مستنقع الفوضى، وأزمات تطفوا على السطح من وقتٍ إلى آخر، آخرها إدعاء الجانب السوداني، بشأن ملكيته لحلايب وشلاتين. ويرى خبراء أن هذه الأزمة تشهد تطورات خلال الفترة المقبلة، في ضوء تهديد الجانب السوداني بالتصعيد واللجوء إلى التحكيم الدولي، مؤكدين أن هذه الأزمة، تشكل ضررًا على مستقبل علاقات البلدين.

وترصد "مصر اليوم"، تاريخ  النزاع حول "حلايب وشلاتين"، وتستعرض أراء الخبراء والمختصين حولها. في البداية ، تقع منطقة حلايب وشلاتين على الحدود الرسمية بين مصر والسودان، وتبلغ مساحتها 20 ألف كيلو متر مربع على ساحل البحر الأحمر، وتعد مدينة حلايب البوابة الجنوبية لمصر على ساحل البحر الأحمر وتظل الوظيفة الرائدة لها تقديم الخدمات الجمركية للعابرين إلى الحدود السودانية، إضافة إلى الأنشطة التجارية المصاحبة لذلك.

وتتمتع منطقة حلايب بأهمية استراتيجية لدى الجانبين المصري والسوداني، وتعتبرها مصر عمقًا استراتيجيًا هامًا لها كونها تجعل حدودها الجنوبية على ساحل البحر الأحمر مكشوفة ومعرضة للخطر وهو الأمر الذي يهدد أمنها القومي، وتنظر السودان إلى المنطقة باعتبارها عاملًا هامًا في الحفاظ على وحدة السودان واستقراره السياسي لما تشكله المنطقة من امتداد سياسي وجغرافي لها على ساحل البحر الأحمر، إضافة إلى أهميتها التجارية والاقتصادية للبلدين.

ويعود تاريخ النزاع إلى عام 1899، الذي شهد توقيع اتفاقية الحكم الثنائي بين مصر وبريطانيا، والتي وفقًا لبنودها، يقع مثلث حلايب داخل الحدود السياسية المصرية، وبعد ثلاثة أعوام في 1902 عاد الاحتلال البريطاني الذي كان يحكم البلدين آنذاك بجعل مثلث حلايب تابع للإدارة السودانية لأن المثلث أقرب للخرطوم منه للقاهرة. وشهد عام 1958 تطورًا في تاريخ النزاع بين البلدين، وأرسل الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، قوات عسكرية إلى المنطقة، وسحبها بعد فترة قصيرة استجابةً لنصائح مستشاريه، من خشيةً تحول الخلاف إلى نزاع عسكري، ولكن ظهر النزاع إلى السطح مرة أخرى في عام 1992، عندما اعترضت مصر على إعطاء حكومة السودان حقوق التنقيب عن البترول في المياه المقابلة لمثلث حلايب لشركة كندية، فانسحبت الشركة، حتى يتم الفصل في مسألة السيادة على المنطقة.

ورفض الرئيس المصري حسنى مبارك، في عام 1995، مشاركة الحكومة المصرية في مفاوضات وزراء خارجية منظمة الاتحاد الأفريقي في إديس أبابا لحل النزاع الحدودي. وبعد محاولة اغتيال الرئيس حسني مبارك في قمة "أديس بابا"، اتهمت الحكومة المصرية نظيرتها السودانية بالتخطيط لعملية الاغتيال، فأمر الرئيس حسني مبارك بمحاصرة وطرد القوات السودانية من حلايب وفرض الحكومة المصرية إدارتها على المنطقة.

 

ومع سقوط نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك، عقب ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، ووصول الرئيس المعزول محمد مرسي، عادت الأزمة مجددًا إلى الساحة، على خلفية زيارة الرئيس المعزول إلى السودان، وخرج مساعد الرئيس السوداني موسى محمد أحمد، خلال حوار متلفز آنذاك، قائلًا إن الرئيس محمد مرسي وعد نظيره السوادني عمر البشير، بإعادة مثلث حلايب إلى وضع ما قبل 1995، وهو ما نفاه المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية آنذاك، ووصف تلك الأنباء بأنها "إشاعة لا ترتكز على معلومات سليمة".

وزار رئيس أركان القوات المسلحة المصرية آنذاك، الفريق صدقي صبحي، السودان، في عام 2013، على رأس وفد عسكري، وأرسل رسالة بلهجة حاسمة للمسؤولين السودانيين، تؤكد أن حلايب وشلاتين أرض مصرية ولا تفريط فيها. وفي منتصف عام 2015 ، عادت الأزمة مرة أخرى على خلفية، حوار متلفز له، أجراه الرئيس السوداني عمر البشير، قائلًا "أن حلايب وشلاتين سودانية وليست مصرية".

ودعت الخارجية السودانية، الأسبوع الماضي، مصر، إلى الجلوس للتفاوض المباشر لحل قضية منطقتي "حلايب وشلاتين" أسوةً بما تم مع الأشقاء في المملكة العربية السعودية حول جزيرتي "تيران وصنافير"، وجاء في بيان لها، أو اللجوء إلى التحكيم الدولي امتثالاً للقوانين والمواثيق الدولية، باعتباره الفيصل لمثل هذه الحالات كما حدث في إعادة طابا للسيادة المصرية، وهو الأمر الذي قابلته  مصر على لسان وزارة الخارجية، في بيان حاسم وشديد اللهجة يحمل جملة واحدة "أن حلايب وشلاتين أراضٍ مصرية وتخضع للسيادة المصرية". وتأتي ادعاءات الجانب السوداني، بعد أيام قليلة، من توقيع إتفاق إعادة تعيين الحدود البحرية بين مصر والمملكة العربية السعودية، وما صاحبه من إعادة جزيرتي "تيران وصنافير" إلى السعودية مجددًا، مما دفع الجانب السوداني، إلى إحياء مطلبه.

وأكد عدد من الخبراء العسكريين والسياسيين أن حلايب وشلاتين أراضٍ مصرية تاريخيًا وجغرافيًا، وأن ما يثيره الجانب السوداني من وقتٍ إلى آخر يهدد مستقبل العلاقات "المصرية-السودانية"، في الوقت الذي يواجه فيه الجانبان مصيرًا مشتركًا ناجمًا عن الأضرار المترتبة عن سد النهضة الأثيوبي. وأوضح نائب رئيس المركز الوطني للدراسات العسكرية، اللواء طلعت مسلم أن حلايب وشلاتين أراضٍ مصرية، وفقًا لأحكام القانون الدولي، مبينًا أن المطالب التي يدعيها الجانب السوداني غير مشروعة، وتهدد مستقبل العلاقات بين البلدين. ويتفق معه أستاذ العلاقات الدولية الدكتور أكمل تحسين، قائلًا إن المواثيق الدولية تشير إلى أن "حلايب وشلاتين"، أراضٍ مصرية تخضع لسيادة القوات المسلحة المصرية وحكومتها، مبينًا أن التهديدات التي يطلق الجانب السوداني باللجوء إلى التحكيم الدولي، لن تحسم النزاع، بل ستلحق الضرر بالجانب السوداني.