القاهرة - وفاء لطفي
لم يكن يعلم أشرف محمد شاهين، البالغ من العمر30 عامًا، والذي يعمل سائق سيارة أجرة، من مدينة كفر الدوار، المجاورة لمحافظة الإسكندرية، أن ضيق الحال والوضع المادي له سيضطره إلى قيامه بإشعال النيران في نفسه، أمام أحد النوادي الاجتماعية للجيش، في مدينة الإسكندرية، السبت. وقام "شاهين" بسكب مواد حارقة على جسده، ثم أشعل النيران، قبل أن يحاول المارة وبعض أفراد الحراسة العسكرية للنادي إنقاذه، عن طريق طفايات الحريق والماء، ليتبين أنه شاب عاطل عن العمل، وأقدم قبل محاولة الانتحار على الشكوى من غلاء المعيشة، حتى تم تلقيبه بـ "بوعزيزي الإسكندرية".
وتجعلنا حالة محمد شاهين نقف أمام قضية تزايد حالات الانتحار بوجه عام، وبسبب الوضع الاقتصادي بوجه خاص، فحالات الانتحار تكررت كثيرًا في الأونة الماضية، منذ ثورة يناير / كانون الثاني 2011، الأمر الذي اعتبره خبراء إنذارًا شديد اللهجة للحكومة، مبينين أن أسبابها ترجع إلى حالة الإحباط، بسبب الفقر والاحتياج المادي.
وأكد الدكتور هشام بحري، رئيس قسم الطب النفسي في جامعة الأزهر، في تصريحات إلى "مصر اليوم"، أن على رأس أسباب الانتحار في مصر ضغوط الأعباء المالية، وضيق الحال، من مرض وفقر وجوع، قائلاً: "مصر يوجد فيها نحو 900 ألف مواطن مقبل على الانتحار، خلال الفترة المقبلة، بسبب إصابة عدد كبير منهم بالاكتئاب العقلي، حيث إن نسبة الانتحار فيه أكثر من انتحار الإنسان الطبيعي".
ونوه "بحري" إلى أن إقبال أي شخص على الانتحار ينتج لتعرضه لضائقة مالية، أو عاطفية، وآخرين شخصيتهم وإيمانهم ضعيف، فضلاً عن أن هناك ما يسمى بـ"الجماعات الانتحارية"، تقدم على الانتحار بهدف لفت انتباه الرأي العام لقضية معينة. وأكدت دراسة صادرة عن المركز القومي للبحوث الاجتماعية أن حالات الانتحار في مصر، منذ عام 2009، في تزايد مستمر، حيث بلغ عدد محاولات الانتحار في عام واحد نحو 104 آلاف حالة، منهم خمسة آلاف شخص أنهوا حياتهم، مشيرة إلى أن أغلب أسباب المنتحرين ترجع لظروف اقتصادية، وعدم القدرة على مواكبة ظروف الحياة المادية، مضيفة أن الفئة العمرية الأغلب في حالة الانتحار بين 15 و25 سنة، بنسبة تصل إلى 6.66%، بينما تأتي في المرتبة الثانية الفئة العمرية بين 25 و45 سنة، ويحل في المرتبة الثالثة الأطفال من 7 سنوات إلى 15 سنة، بنسبة تصل إلى 5.21%.
فيما أشارت إحصائية صادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء إلى أن نسبة الانتحار عام 2011 وصلت إلى 18 ألف حالة، منها ثلاثة آلاف حالة تحت سن 40 سنة، فيما تشير الإحصائية إلى أن خمسة أشخاص بين كل 1000 شخص يحاولون الانتحار سنويًا. وتقول الدراسات إن طرق الانتحار تختلف عادة حسب الوضع الاجتماعي والثقافي، فالعاطلون يميلون إلى شنق أنفسهم، بينما رجال الأعمال يطلقون النار على أنفسهم، في حين يلجأ تلاميذ المدارس إلى قطع شرايين اليد، أو الشنق، وأضافت أن تزايد حالات الانتحار في مصر يرجع إلى انتشار الفقر والبطالة في المجتمع المصري، الذي يعيش أكثر من 45 % من سكانه تحت خط الفقر، مؤكدة أن حالات الانتحار ارتفعت من 1160 حالة في 2005، إلى 3700 حالة في 2007، ثم 4200 في عام 2008.
وأوضحت الدراسات أن الفترة المقبلة ستشهد أنواعًا مختلفة من الانتحار، كالأقراص المنومة، أو سم الفئران، أو الفقز من فوق العمارات، أو الشنق، أو قطع شرايين اليد، أو إطلاق النار على النفس، أو الحرق. ومن جانبه، قال الدكتور سعيد عبد العظيم، أستاذ الطب النفسي، إن أسباب الانتحار كثيرة، وجزء كبير منها يتعلق بالمشاكل الاقتصادية، والمرض، والمشاكل العاطفية، والخلافات الأسرية، والخلافات على مستوى العمل، بالإضافة إلى الأمراض النفسية، خاصة وأن 25% ممن يعانون الاكتئاب يقبلون على الانتحار، وكذلك أصحاب الأمراض العصبية، والذين يعانون من الانفصام في الشخصية.
وأوضح "عبد العظيم"، في تصريحات إلى "مصر اليوم"، أن نسبة الانتحار في الرجال أربع أضعاف نظيرتها لدى السيدات، مشيرًا إلى أن الرجال ينتحرون بوسائل عنيفة، وينتحرون في الخفاء، دون الإعلان عن انتحارهم، على عكس السيدات، فمحاولاتهن تكون "ناعمة"، وليست مؤكدة، وتكون بمثابة صرخة استغاثة.
وعن حل هذه الأزمة، أكد "عبد العظيم" أن الرادع الديني الخاص بتحريم الانتحار هو الشيء الوحيد القادر على الحد من الإقبال على الانتحار، وأضاف أن أغلب المقبلين على الانتحار من الذكور، وهذا ما يجعل اختيارهم لطريقة الانتحار أكثر قسوة وعنفًا.