القاهرة - محمود حساني
طرأ على سطح المجتمع المصري خلال السنوات الأخيرة العديد من الظواهر السلبية التي تمثلت في انتشار حالات النصب والخداع ، وزيادة حالات الانتحار ، وانتشار المخدرات ، وكثرة جرائم القتل والاعتداء على الممتلكات الخاصة .
وأرجع عدد من الخبراء المعنيين بالشأن المصري سبب هذه الظواهر التي ابلتلى بها المجتمع وزادت حدتها بوضوع عقب ثورة 25 كانون الثاني/ يناير 2011 ، وما صاحبها من انفلات أمني ، والأخطر منه انفلات إخلاقي غير مسبوق ضرب بنيان المجتمع - إلى أسباب سياسية ، ويأتي على رأسها الاضطرابات التي شهدتها البلاد آنذاك ، وإلى أسباب اقتصادية لتوقف قطاع عريض من الشركات والمصانع عن العمل واستغنائها عن آلاف العامليين ، كل ذلك أسهم بقوة في انتشار مثل هذه الظواهر.
وتعد ظاهرة "الغارمين والغارمات" المحبوسين داخل السجون في مختلف محافظات الجمهورية لعجزهم عن سداد الديون ، واحدة من أهم الظواهر الاجتماعية التي طرأت على المجتمع آخرًا ، وأخطرعا على الإطلاق نظرًا إلى ما تمثله من خطر كبير يُهدد كيان آلاف الأسر التي تفتقد عائلها الذي ربما قد يكون الوحيد نظرًا إلى تواجده داخل السجن تنفيذًا لحكم قضائي لقضاء عقوبة الحبس لعدم الوفاء بالدين الذي قد يكون بسيطًا للغاية لا يتجاوز 100 جنيه .
"مصر اليوم" تستعرض في السطور التالية ظاهرة "الغارمين والغارمات" وتستعرض معاناة أصحابها ، وجهود الدولة والمجتمع لفك كربهم .
في البداية نود أن نُعرف من هو "الغارم أو الغارمة"، هو كل من عليه دين وعجز عن سداده، ويقدر عدد الغارمين والغارمات فى السجون المصرية بنسبة تتراوح بين 30 - 35% من إجمالي السجناء، أي نحو 30 ألف سجين ، أما عن الغارمين والغارمات الذين حصلوا على أحكام نهائية لكنهم لا يزالون خارج السجون فإن الأعداد تتضاعفت وهناك الألوف من الأحكام النهائية التي لا تزال قيد التنفيذ .
غير أن المُثير للحزن أن الغالبية العظمى من الحالات تواجه السجن نتيجة لديون لا تتعدى بضعة آلاف من الجنيهات، فمتوسط مبلغ الدين للغارمة في الأجهزة الكهربائية والأثاث لا يتعدى 7 آلاف جنيه، وهناك بعض الحالات صدر ضدها أحكام من أجل ٩٠ جنيها فقط. واتفق الخبراء على أن هناك 3 أسباب رئيسية وراء تزايد حدة هذه الظاهرة المؤلمة وتفشيها بين النساء ، خلال السنوات الأخيرة، يأتي على رأس هذه الأسباب ما يعرف بـ "الاستدانة لشراء مستلزمات الزواج"، وتتمثل هذه الحالة في شراء الأم أثاث المنزل أو الأجهزة الكهربائية من خلال معارض بنظام القسط الشهري، وعندما تعجز عن الوفاء بدينها ، يتحول الأمر إلى ساحة القضاء ، وينتهي بها المطاف إلى السجن؛ لقضاء عقوبة الحبس التي تتراوح ما بين سنة إلى 5 سنوات ، على حسب الدين وقيمته .
أما السبب الثاني فهو منتشر كثيرًا لدى الأحياء الشعبية في مناطق القاهرة الكبرى والجيزة ، ما يعرف شعبيا بـ"الحرق" ، فتقوم السيدة بشراء سلعة بثمن يكون في الغالب مبالغًا فيه على أن يتم سداد سعره بأقساط شهرية، وتقوم على الفور ببيع السلعة بثمن أقل للاستفادة من السيولة النقدية لقضاء حاجة ماسة لديها، وسرعان ما يحدث التعثر في السداد، فينتهي الأمر بها إلى الحبس ، أما السبب الثالث فهو الضمانة؛ إذ تضمن السيدة جارتها أو قريبتها في أشكال من أشكال التقسيط، وحين يتعثر الطرف الأول عن السداد يصير الضامن غارم وتتم مقاضاته.
وتقول الحاجة أم أسماء 57 عامًا ، من محافظة الدقهلية ، إنها اشترت أجهزة كهربائية لإتمام عُرس ابنتها ، وبلغت قيمة المشتريات 6 آلاف جنيه ، تمكنت من تسديد 2000 جنيه ، والتوقيع على إيصال أمانة عن المبلغ المُتبقي ، وعندما عجزت عن الوفاء بدينها رفع البائع دعوى قضائية عليها ، انتهت إلى حبسها 3 سنوات ، حتى تم الإفراج عنها من خلال مبادرة الرئيس السيسي التي أطلقها في عام 2015 .
وتبلغ أم شيماء من العمر 46 عامًا من محافظة الجيزة التي عجزت عن الوفاء بدين تبلغ قيمته 4 آلاف جنيه ، اقترضته من إحدى الجميعات لعلاج ابنها المُصاب بـ ضمور في القلب ، وعندما حان موعد السداد ، لم تتمكن من الوفاء ، وصدر حكمًا قضائيا ضدها بالحبس سنة ، لكن أحد رجال الأعمال دفع لها الدين وأجرى مصالحة مع الجمعية؛ ونظرًا إلى خطورة هذا الأمر ومع تزايد أعداد الغارمين والغارمات تضافرت جهود الدولة مع مؤسسات المجتمع المدني ورجال الأعمال ، وأثمرت هذه الجهود عن إطلاق مبادرات عدة ، اجتمعت جميعها حول هدف واحد ، وهو فك كرب الغارمين والغارمات ، ويأتي على رأس هذه المبادرات ، ما أطلقه الرئيس عبد الفتاح السيسي في العام الماضي ، مبادرة "مصر بلا غارمات" التي تهدف إلى الإفراج عن جميع الغارمات في السجون المصرية خلال عامين ، وأثمرت جهودها منذ انطلاقها حتى الوقت الحالي عن تسوية 1100 قضية ، ولم شمل المئات من الأسرة المصرية وتمكينهم اقتصاديا واجتماعيا .
وحرصًا من وزارة الداخلية على التعاون مع مؤسسات المجتمع المدني لمواجهة هذه الظاهرة ، تبنت الوزارة مبادرة فردية دعا إليها أحد أبنائها عام 2015 ، وهو النقيب محمد جمال استجاب لها قطاع عريض من ضباط الوزارة ؛ مما أسهم في مساعدة 62 من الغارمين لسداد ديونهم وخروجهم من السجن ومساعدتهم في قضاء عيد الفطر مع ذويهم. وخلال الأسبوع الماضي أطلق رجل الأعمال أحمد أبو هشيمة مبادرة للإفراج عن الغارمين وتكبد سداد ديون 68 منهم . كما أثمرت جهود صندوق "تحيا مصر" بالتعاون والتنسيق مع مؤسسة "مصر الخير" من فك كرب 2000 حالة غارم وغارمة خلال العام الماضي ، وتسعى خلال الأيام القليلة المقبلة إلى فك كرب 2000 حالة جديدة تزامنًا مع حلول عيد الفطر .
ويرى أستاذ القانون الجنائي في جامعة أسيوط الدكتور عماد موسى، أنه من السهل جدا مواجهة هذه الظاهرة من خلال حلول تشريعية تتمثل في إلغاء إيصالات الأمانة وسن قانون الاقتراض العادل الذي يحمي المقترض ويحفظ في نفس الوقت حقوق القارض، مبينا أنه في حالة إصدار هذا القانون وتطبيقه لن تعج المحاكم بقضايا الغارمين والغارمات . وطالب أستاذ الشريعة الإسلامية الدكتور نشأت الهلالي ، رجال الأعمال ومؤسسات المجتمع المدني التعاون في ما بينهم لفك كرب آلاف الحالات التي تعج بها السجون المصرية ، وأن يسهموا في فك كرب إخوانهم حفاظًا على أسرهم من الضياع ، مُثنيًا على جهود رجل الأعمال أحمد أبو هشيمة في هذا المجال .