القاهرة ـ مصطفي الخويلدي
الموت يسكن بين اللحم والعظم، يعوي كجموع الغربان تحت القفص الصدري، يتسلل مع الهواء إلى الرئتين حتى يستعمرهما ولا يترك الإنسان إلا جثة هامدة.
يعيش سكان منطقة "عرب أبو ساعد" في مجتمع قبلي مغلق اغلب ما يعيش فيه من اصول عربيه وعائلات متأصله تتباهى باحتكامها للمجالس العرفيه وقدرتها على التماسك والتصدي لكل مايواجهها الا انها عجزت عن التصدي بمفردها للتلوث الذي جلبته مصانع الموت لتصدّر لهم السم والهلاك.
اول الطريق توجد السيارات الاجره الاشهر فطريقها دائما ذهابا وايابا من وإلى مستشفى ابو الريش للاطفال او مستشفى السرطان ٥٧٣٥٧ فالكثير من الحالات ترقد هناك بين الحياة والموت املين في جرعة كيماوي تصلح ما تم تدميره داخل اجساد الاطفال الهزيله التي لا تقوى بالاساس علي احتمال المرض او اثار جرعة الكيماوي.
تقول "ام سلامة" 70 عاما نحن نعيش مأساة حقيقية فنحن نعيش ننتظر الموت في كل دقيقة ففرحة الدنيا بأحفادي مؤمن ومحمد انطفأت بعدما جاء الاول مشوّها لديه عيب خلقي في الفك وجاء الثاني معوقا عقليا بعد الكثير من حوادث الاجهاض التي تعرضت لها ابنتي .. نحن نحمد القدر على انه وهبنا الذريه ولكن لم يكن قدرا ان يكونوا مشوهين بدنيا او عقليا فهذا نتاج ايادي الفساد والقلوب غير الرحيمة.
وتقول مني حسن ٢٨ عام احدى الامهات التي فقدت ابنتها بعد ان اصابها سرطان الرئه وهي لم تكمل عامها الثاني لقد اصبت بالاجهاض ثلاث مرات وفي كل مره يقول لي الطبيب انه بسبب الملوثات الشديده التي اتنفسها ويطالبني بالصبر افضل من ان اكون مثل نظيراتي من سكان المنطقه الذين يتممن التسعة اشهر لتلدن اطفال مشوهه او معاقه.. اضافت وثمة دموع في عينيها لماذا ليس لنا هنا من ينصفنا.
يؤكد "محمود حسن" 50 عاما على الكلام السابق ويضيف لا احد يسمعنا او نشعر بما نعانيه ففي كل بيت هنا توجد مأساة بشريه شببها التلوث ، ففي كل اسرة يوجد مريض بالسرطان او بالقلب او بالتشوه البدني او الاصابة بالعاقة العقلية فابني وفلذة كبدي محمد 11 عاما لم ينجو من اثار التلوث وعواقبه فهو مريض بمرض نادر يأتي بسبب الملوثات في الرئتين.
فيما تقول "صباح محمد" 50 عاما كل ما ارجوه من الحياة ان ارى اولادا لابنتي التي اجهضها التلوث 7 مرات متتالية ونصحنا الطبيب بان نترك عرب ساعد لتتمكن من الانجاب الا اننا لانعلم الى اين نذهب فنحن نعاني في كل شيء ومن كل شيء وهل يجب تهجيرنا وطردنا من قرانا ام يتم اغلاق تلك المصانع او ايجاد حل بيئي لها.
وتؤكد زينب حسن 28 عام على الكلام السابق وتقول انها ولدت طفلا يبلغ وزنه 4 كيلو وبعد 3 شهور وزنه 6 كيلو ومصاب بعجز في النمو واعاقه ذهنية ولديه عيب خلقي في القلب فالقرية كلها تعاني مأساة بشرية وكأنها تم ضربها بقنبلة نووية ، التشوّه والمرض في كل مكان والحزن يكسو كل الوجوه.
يقول عبد الله ابو ساعد القرية تعاني من انتشار الغازات والابخرة السامة التي تنطلق من المصانع التي تنتج المازوت وغاز الامونيا والمسبب لحالات التشوه والاجهاضات واصبح اطفال اهل القرية نزلاء للمستشفي واقسام الاورام فابني منصور مجرد طفل لم يتعد عمره 3 اعوام ومصاب بالسرطان نحن نموت كل يوم وكل ما نطلبه هو النجدة من اصحاب القرار ومن وزير البيئة الذي يتركنا فريسة للتلوث القاتل ويضيف " إننا ندفن كل يوم طفل او طفلين يموتون فى ريعان طفولتهم بسبب الهواء الملوث والمسرطن والفقراء لا يجدون العلاج ولا الغذاء".
مشيرا إلى ان المشكلة بدأت منذ 15 عام عندما شاعت الأخبار الكاذبة التي استخدمها أصحاب مصنع السماد للتغرير بالأهالي وظن الاهالي ان السماء فتحت لهم أبواب الرحمة لكن أحلامهم تلاشت كسحائب الصيف إذ اكتشفوا أنهم اشتروا الوهم ولم يحصدوا إلا الموت .
مضيفا أن اصحاب مصنع السماد طالبوا الأهالي بالتوقيع على أوراق كشرط الحصول على تبرعات وتجهيز بعض من فقدن العائل الا انهم لم يحصلوا على شىء . وفوجئوا بإقامة مصنع السماد .
الأهالي انتفضوا ولعنوا المخادعين وقرروا الثورة على السرطان الإجباري فما كان من إدارة المصنع إلا أن لوحت بالتوقيعات، التي استخدمها المصنع دليلا قانونيا على أن الناس موافقون على أن يتسرطنوا.
ولم يكتف أصحاب المصنع بهذا الأمر إذ هاجموا الغاضبين وعايروهم بأنهم سددوا مبلغ عشرة ملايين جنيه على سبيل التبرعات لتلبية احتياجات الأهالى من علاج ومأوى وبناء مستشفى للعلاج المجاني وهي لم تبنى حتى الان .
يقول الاطباء الذين لديهم عيادات يقصدها اهالي المنطقة بحلوان ومنهم الدكتور النشار ان تعرضهم للتلوث يسبب اجهاض الاجنه وتشوّه الاطفال وحدوث عيوب خلقيه بسبب الغازات الضارة الناتجة من التلوث والتي منها غاز الامونيا المعروف بخطورته عالميا،
وعلى صعيد اخر لم تختلف الاوضاع كثيرا على مسافة 30 كيلو مترا من محافظة القاهرة بين قرى القليوبية تقع "أجهور الكبرى"، التابعة لمركز طوخ على جانبي الطريق إليها تراصت كميات هائلة من قطع الأشجار اليابسة فوق بعضها البعض وتلوث هواء القرية بأدخنة محملة بأتربة سوداء تجبر من يدخل القرية على إغلاق أنفه وعينيه حتى المرور.
فبمجرد ان تدخلها ستصاب بالسعال القاتل لن تستطيع التنفس بشكل طبيعي عندما تدخل الى قلب اجهور ستجد تلال الفحم والسماء الملبدة بالسواد، ستجد شكائر الفحم واخشابه تحتل نسب كبيرة من مساحات الزراعات والاراضي ، والفحم الذي يتم تصديره ليستفيد به مواطنو الدول الاخرى على حساب صدور الاطفال هنا التي يدخلها المرض من اوسع الابواب، كل شهيق يدخل يخرج بزفير مريض.
الكثير من الأهالي يتضررون من ملوثات التكمير حتى انهم شرعوا في تجميع استمارات لارسالها لرئاسة الجمهورية فحواها مدى الاذى الصحي الذي سببته تلك المكامير على مدى كل تلك السنوات املا في انقاذ اجيال القرية والقرى المجاورة لها .
فمن جانبه اكد رئيس جمعية أصدقاء البيئة في القليوبية محمد عبد الوهاب، وأحد أهالي القرية إن هناك ربع مليون مواطن من أهالي القرية والقرى المجاورة لها تتسبب مكامير الفحم في موتهم كل يوم بسبب غاز اول اكسيد الكربون المسبب للامراض السرطانيه موضحا أنهم خاطبوا المحافظ ووزير البيئة مرات عديدة وحتى الآن لم يتم حل المشكلة .
مشيرًا إلى أن كل الوزراء فى الحكومات السابقة اكتفت بإصدار قرار حظر تشغيل مكامير الفحم لما لها من آثار سلبية على البيئة وصحة المواطنين.
وأضاف: "قابلنا وزيرة البيئة السابقة ليلى إسكندر وقامت بتخصيص قطعة أرض بصحراء بلبيس بمحافظة الشرقية وأعطت أصحاب المكامير مهله زمنية سنة ومر أكثر من سنة ولم يتم نقلهم وخاطبنا المحافظ بشأن توصيل مرافق لأرض بلبيس لنقل أصحاب المكامير إليها وقال إن مشكلة المرافق بعيدة عن المحافظة ومليش دعوة بيها دى مشكلة الحكومة، وخاطبنا المهندس أحمد أبو السعود ممثل وزارة البيئة وقال المرافق مشكلة المحافظة مش مشكلة الوزارة فخاطبنا رئيس الوزراء وقال إن المحافظة والبيئة لم يتم الرد".
مؤكدا على انه بعث برسالة لمحافظ القليوبية اللواء رضا فرحات واخبره انه سيغلق تلك المكامير في خلال 48 ساعة .الا انها تعمل حتى الان وعندما اخبرته انه قراره لم يطبق قال لي إننا نبحث عن حل وسط وتابع ان اعداد المكامير فى ازدياد يومي لأن صناعتها سهلة، فهناك 186 مكمورة رسميًا فى الأوراق الخاصة بوزارة البيئة، ولكن فعليًا هناك ما يقرب من 700 مكمورة ولا توجد إحصائية بازدياد الأعداد حتى الآن، وتساءل "عبدالوهاب "يعنى إيه تجارة ورزق وولادنا بتموت!، مشيرًا إلى قيام أصحاب المكامير بالتصدير لدولة إسرائيل على حساب صحة أبناء القرية، بحسب قوله.
فيما تقول الحاجة سعاد 52 عام ان زوجها واخوها توفيا بسبب المكامير في عام واحد كما ولد حفيدها مشوها ومصاب بالتهاب رؤي بسبب الدخان واشتكينا اكثر من الف مرة ، مشيرة إلي انه من 15 عام كانت القرية كلها اشجار موالح وفاكهة وكان يطلق عليها " اجهور الورد " الا إنها تحولت بعد ذلك لاجهور الفحم منذ ان بدأت المكامير هنا وقضت علي الاخضر واليابس وبنطالب رئيس الجمهورية بالتدخل القرية كلها تعاني من مشاكل صحية والاطفال يتم تدمير اجهزتهم التنفسية وسعيد الحظ منهم ينجو من السرطان ويصاب بالتهابات الشعب والحساسية.
فيما اكد "طارق" 35 عام على الكلام السابق مشيرا إلي انه ابنته سما 3 شهور ولدت ولادة طبيعية ولم تكن تعاني من اي شيء الا انه بعد شهر من ولادتها أصيبت بإختناق ثم إغماء ونقلتها بسيارة الاسعاف للعناية المركزية بمستشفى الاطفال التخصصي في بنها وخرجنا بعد اسبوعين وفي نفس يوم خروجها وبعد عودتي إلي القرية إصيبت باللاختناق ثانية ورجعت بها للعناية ثانية وظلت بها لمدة اسبوع .
مشيرا إلا ان كل الاطباء اخبرنوا ان الحل الوحيد هوا ان اترك البلد من اجل صحة طفلة والحفاظ علها واستمررها بالحياة ،مؤكدا إلي انهم يستنشقون المرض والموت كل يوم تحت اعين وزارة البيئة التي لم تهتم لامرنا ولا سبيل امامهم إلي انه قموا بتجميع توقيعات الاهالي علي أستمارة أستغاثة سييقدمواها إلي رئاسة الجمهورية أملا منهم في إنقاذ اطفالهم ونقل المكامير إلي خارج القرية .
فيما حكا "صبحي سلام" مأساته قائلا " اعمل بمخزن احد الماصنع في بنها ولدي 3 أطفال في اعمار مختلفة مصابين ويعانون أمراض مزمنة بسبب تلوث الهواء نتيجة المكامير فنجلة الكبير عبدالعزيز 13 عام مصاب بإلتهاب رئوي حاد وانه كل شهرين بيجبله جرعة علاج من انجلترا 2000 جنيه وانه طوال الوقت تحت جهاز التنفس ، اما محمد 9 سنوات مصاب بفيرس A وسندس 3 سنوات مصابة بحساسية مزمنة . مؤكدا على انه راتبه لا يتعدى 700 جنيه وهي لا تكفيه لاسبوع لعلاج اطفاله .
ومن جهته قال استشاري الامراض الصدرية والباطنة بمستشفي بنها التعليمي الدكتور عبدالرحمن عبدالغني ابو النصر ، ان الامراض الصدرية منتشرة بالاطفال والكبار من ربو وشعب هوائية وامراض اخري مزمنة بنسبة 60 : 70 حالة بالشهر ، موضحا الى ان السبب رئيسي فيها يعود إلي المكامير مشيرا إلى ان اتحاد غاز اول أكسيد الكربون مع هيموجلوبين الدم يجعله إذا وصل للمخ يسبب السكته الدماغيه وإذا وصل للرئه يسبب التهاب رئوي مزمن وسرطان حاد .
مشيرا إلى انه من نسبة الاصابة بالسرطان إصبحت في تزايد بين سكان القرية بمعدل سنوي من 7 إلى 10 حالات .مؤكد علي انه نسبة الاستجابة للعلاج بين أهالي القرية من الامراض الصدرية قليلة جدا بسبب ان المصدر مازال يعمل ومازال الهواء ملوث .
اما عن الاضرار الناتجة عن دخان المكامير فأكد استشاري الامراض الصدرية والباطنية والقلب ، واستاذ ورئيس قسم الطب البيئي والامراض المهنية بكلية طب القصر العيني جامعة القاهرة الدكتور محمود محمد عمرو ، ان الاحتراق غير الكامل " مكامير الفحم " ينتج منها غازات سامة علي رأسها أول اكسيد الكربون والذي يُشكّل ضررا كبيرا على صحة الانسان والحيوان والنباتات والبيئة العامة المحيطة ، وهناك ايضا أكسيدات النيتروجين والاوزون .
فغاز اول اكسيد الكربون غاز سام جدا تأثيره السام نتيجة نقص الاكسجين في الدم لذلك اهم الاعضاء تأثرا بها هو المخ والقلب ويسبب ايضا غيبوبة وتشنجات وصداع شديد ووفاة سريعة ووفاة بالبطئ وسرطان الرئة والكبد والمثانة والتهاب رئوي وصعوبة شديدة بالتنفس وانخفاض في حدة البصر وهبوط بالدورة الدموية وتدمير الجهاز العصبي المركزي وفقدان الذاكرة وضعف التركيز والصلع وضمور بالغدة الدرقية والاصابة بالانيميا وتدمير خلايا الجسم وخلل بالانزيمات .