وزارة الآثار

تمتلك مصر ثلث آثار العالم ، ذلك التراث الذي تركه أجدادنا منذ 7000 آلاف عام ، وحافظ عليه آبائنا ، غير أن العصر الحديث شهد العديد من محاولات السرقة والتهريب ، لاسيما في فترات الاحتلال التي مرت بها مصر ، ونجح البعض في نقل العديد من القطع الأثرية الهامة إلى الخارج ، والتي تباع الآن في صالات المزادات في أمريكا وإنجلترا وفرنسا.
" مصر اليوم " ترصد أبرز الآثار المصرية التي تم تهريبها إلى الخارج ، وكيفية هروبها ، وجهود مصر لاسترداد تلك الآثار ، وسبُل مواجهة هذه الجريمة .

 وتحتل فرنسا  نصيب الأسد ، من حيث عدد القطع الآثرية المصرية التي تهريبها إلى الخارج، والتي بلغت أكثر من 9 آلاف قطعة من تماثيل ومنحوتات وأوعية ذهبية ، ويعد من أبرز القطع الأثرية الموجودة في فرنسا ،"المسلة المصرية" ، التي كانت توضع سابقًا فى الأقصر ويبلغ زنها 250 طنا من الجرانيت الأحمر وطولها 23 مترا ، وكذلك "قناع نفيرتيتي الذهبي، وتمثال الكاتب الجالس، ورمسيس الثاني، وتماثيل لأمنحتب الرابع وأخناتون".

وتعد " المسلة الفرعونية" ،  التي تم تهريبها إلى العاصمة البريطانية " لندن" ،أبرز القطع الأثرية المهّربة ، والتي أهداها  " محمد علي" كهدية إلى "اللورد نيلسون" لفوزه في معركة ضد "نابليون بونابرت" ، وتمكنت البعثات الأثرية التي صاحبت الاحتلال الإنجليزي لمصر من تهريب آلاف القطع الأثرية ، والتي تُعرض الآن في صالات المزادات في إنجلتراً ، والتي كان أخرها عرض تمثل " سخم كا " للبيع مقابل 15 مليون جنيهًا إسترلينيًا. 

ويأتي في المرتبة الثالثة ، الولايات المتحدة الأمريكية ،  حيث تضم المئات من القطع والتماثيل الأثرية الفرعونية المصرية، التي تم تهريبها إلى هناك عبر البعثات الأمريكية التي جاءت إلى مصر للتنقيب عن الآثار ،ومن أبرز تلك القطع الأثرية ، مسلة كليوباترا والتي تزن 244 طنًا من الحجر الجرانيتي، ومنقوش عليها من تحتمس الثالث، حيث تعرض في مدينة نيويورك، في السنترال بارك.

وتأتي " إيطاليا" ، في المرتبة الرابعة ، حيث تمتلك 8 مسلات مصرية ترجع إلى العصر الفرعوني منها مسلات لتحتمس الثالث والرابع، وبها العديد من المتاحف تحتوي على مئات من القطع الآثرية التي تعود الى لعصر الروماني ، ويليها " إسرائيل" ، التي عرضت مؤخرًا 126 قطعة أثرية في أحد متاحفها في تل أبيب . 
وأكد رئيس قطاع الأثار المصرية سابقًا في وزارة الأثار ، الدكتور مصطفى شاهين ، أن وزارة الآثار بالتعاون والتنسيق مع وزارة الخارجية تبذل قصارى جهدها لإسترداد تلك الآثار التي تم تهريبها إلى الخارج .
 
 وأضاف شاهين لـ " مصر اليوم " ، أن وزارة الآثار  نجحت في إسترداد نحو 716 قطعة أثرية مهربة خلال العامين الماضيين ، مبينًا أن الفترة المقبلة ستشهد إسترداد 17 قطعة من أستراليا، وقطعة آثرية من إنجلترا، عبارة عن قطعة من الحجر الجيري ترجع إلى فترة حكم تحتمس الرابع، ثبت أنها مسروقة من أحد أعمدة معبد تحتمس في الكرنك، مشيرًا إلى أن الزيارة الأخيرة التي أجراها الرئيس السيسي إلى فرنسا ، ساهمت في إسترداد 239 قطعة أثرية تم تهريبها إلى فرنسا خلال فترة الإحتلال.
 
وأوضح أستاذ الحضارة الفرعونية في جامعة القاهرة ، الدكتور راجح جمال ، أبرز الطرق التي تم من خلالها تهريب تلك الأثار إلى خارج البلاد ، قائلاً " تعد فترات الإحتلال التي شهدتها مصر سواء فترة الإحتلال الإنجليزي أو الفرنسي ، من أكثر الفترات التي شهدت تهريب لآثار مصرية إلى الخارج، كذالك الفترات التي تولى الحكم فيها أفراد " الأسرة الخديوية" شهدت تهريب مئات القطع الأثرية الهامة من خلال أفراد البعثات الآثرية أو قيام أفراد الأسرة بإهداء الملوك والرؤوساء الذين أتوا إلى مصر للمشاركة في المناسبات التي كان يقيمها أفراد الأسرة الخديوية آنذاك"
 
وكشف " راجح"  أنه في الوقت الراهن ، يتم تهريب الآثار المصرية من خلال رجال أعمال أجانب ، يتواصلون مع وسطاء في مصر ، يعلمون في مجال الكشف والتنقيب عن الأثار في أسوان والأقصر والجيزة ، غير أن هذه المحاولات تنتهي بالفشل نظرًا إلى الجهود المكثفة التي تبذلها وزارتي الأثار والداخلية ، في تكثيف الرقابة والحملات على المناطق الأثرية.
 
وأوضح " راجح" ، أن عدم قدرة وزارة الآثار على إسترداد العديد من القطع الأثرية المهربة لعدم امتلاك أي مستندات تفيد بخروجها بشكل غير قانوني، ومن ثم لا يمكن استعادتها مرة أخرى، وقد خرجت القطع المهمة إلى إسرائيل، كما خرجت رأس نفرتيتي وحجر رشيد وجداريات متحف اللوفر، مطالبًا وزارة الآثار بتسجيل جميع الآثار  التي تم تهريبها إلى الخارج، والقيام بحملة ضخمة ضد المزادات والمتاحف التي تبيع أو تعرض آثارنا المهربة ، والإستعانة بفريق قانوني دولي لرفع دعاوى قضائية أمام التحكيم الدولي للمطالبة بإستردادها.
 
ويرى أستاذ القانون الجنائي في جامعة القاهرة ، الدكتور عصام درويش ، أن مواجهة جريمة تهريب الآثار إلى الخارج ، تحتاج إلى تعديل تشريعي ، لتغليظ العقوبات التي تضمنها قانون حماية الأثار ، مشيرًا إلى أن القانون الحالي ينص على أن "يعاقب بالسجن مدة لا تقل عن ثلاث أعوام ولا تزيد على خمس، وبغرامة لا تقل عن عشرة آلاف جنيه ولا تزيد على خمسين ألفًا، كل من نقل بغير إذن كتابي صادر عن المجلس الأعلى للآثار، أثرًا مملوكًا للدولة أو مسجلا أو نزعه من مكانه، أو حول المباني أو الأراضي الأثرية أو جزءًا منها إلى مسكن أو حظيرة أو مخزن أو مصنع أو زرعها، أو أعدها للزراعة أو غرس فيها أشجارًا أو اتخذها جرنًا أو شق بها مصارف أو مساقي أو أقام عليها أية إشغالات أخرى أو اعتدى عليها بأية صورة كانت دون ترخيص طبقًا لأحكام هذا القانون".

 وتابع  الدكتور عصام درويش ، في تصريحات لـ " مصر اليوم " ، أن مثل هذه العقوبة التي تضمنها القانون لا تحقق الردع المطلوب لمواجهة تجار الأثار ، خلاف العقوبات المقررة على تجار المواد المحظورة ، مبينًا أن الجريمة التي يرتكبها تجار الأثار ، تفوق بمراحل الجريمة التي يرتكبها تجار الآثار ، لكون الأولى مرتبط في تاريخ مصر ، داعيًا وزارة الآثار إلى التقدم بمقترح إلى مجلس النواب ، لتعديل تلك العقوبة إلى المؤبد والإعدام .
 
وطالب الخبير الآثري والباحث في علم المصريات  دكتور عماد حمدي، وزارة الخارجية ، التقدم بطلب رسمي إلى اليونسكو لتعديل الاتفاقية المتعلقة في استراد الأثار المهربة ، لاسيما فيما يتعلق بالنص الخاص  "حظر ومنع استيراد وتصدير ونقل ملكية الممتلكات الثقافية بطرق غير مشروعة، والاتفاقية لا تشمل حق الدول في المطالبة باسترداد آثارها التي سرقت قبل "1971. 
وتابع دكتور عماد مهدي ،  أن جميع الأثار المصرية الموجودة في الخارج تم تهريبها قبل عام 1971 نظرًا لإضطراب الأوضاع السياسية والأمنية في تلك الفترة ، لذا لابد من تعديل هذا النص حتى نتمكن من استرداد تلك الآثار.