القاهرة - محمود حساني
لا أحد يستطيع أن يُنكر الدور الذي تؤديه وزارة الداخلية ورجالها في حماية أمن مصر والمصريين. ولا أحد يستطيع أن ينكر حجم المسؤولية والأمانة الواقعة على عاتق رجال الداخلية خلال هذا الظرف الراهن الذي تمر به البلاد. ولا أحد يستطيع أن ينكر حجم التضحيات التي يقدمها أبطال الداخلية منذ ثورة 25 كانون الثاني/يناير 2011، مرورًا بثورة 30 حزيران/يونيو، وصولًا إلى وقتنا الراهن. فلا يكاد يمر يومًا دون أن نتوقف أمام خبر استشهاد رجل من رجال الشرطة في محافظة سيناء، هؤلاء الأبطال الذين يتساقطون ويتركون خلفهم زوجاتهم وأطفالهم، هؤلاء يقدمون أرواحهم فداء لبلادهم، في سبيل عيش المصريين.
"ضابط شرطة يعتدي على مواطن داخل قسم شرطة الأقصر"، "ضابط شرطة يعتدي على طبيب داخل صيدلية في الإسماعيلية"، "أمين شرطة يعتدي على مواطن داخل قسم شرطة عين شمس"، "أربعة أمناء شرطة يعتدون على طبيبين داخل مستشفى المطرية"، "مقتل سائق على يد أمين شرطة في الدرب الأحمر...الخ". لعل هذه العناوين، أبرز ما تناولتها الصحف خلال الفترة الماضية، وكانت سببًا في حدوث غضب عارم لدى الرأي العام ، دفعت البعض إلى القول "إن مثل هذه الحوادث التي تحدث من جانب قلة من رجال الشرطة ، تخصم من رصيدها لدى الشعب ، بعد أن عادت المياه إلى مجاريها في ثورة 30 حزيران/يونيو، واتفق الجميع على فتح صفحة بيضاء بين رجال الشرطة والمواطنين".
والبعض الأخر يرى "أن مثل هذه الأمور التي زادت حدتها مؤخرًا توحي بعودة الممارسات الماضية، تلك الممارسات التي كانت سائدة قبل ثورة 25 يناير". بينما يرى البعض "إذا لم يكن هناك إجراءات حاسمة ورادعة في مواجهة أصحابها، ستخصم من رصيد الرئيس السيسي نفسه لدى الشعب".
وتبحث "مصر اليوم"، في السطور التالية، أسباب المشكلة، وتقدم طرق علاجها مع عدد من خبراء الأمن وعلم النفس والاجتماع. في البداية يرى مساعد وزير الداخلية السابق ، اللواء أسامة عبدالحميد، أن جهاز الشرطة أصبح مدان وزادت حدة الاتهامات الموجهة إليه خلال الفترة الأخيرة ، مع كل حادث تقع من جانب قلة محسوبة للأسف على هذا الجهاز الوطني العظيم ، يذهب البعض إلى توجيه الاتهام إلى جهاز بأكمله ، لا يخلو بيتاً ولا أسرة في مصر إلا وابنها من المنتمين لهذا الجهاز ، فلا يمكن بأي حال من الأحوال اختزال مثل هذه التصرفات الفردية في جهاز بأكمله ، وأن نتناسى ما يقدمه رجال الشرطة طوال تاريخها من تضحيات وشهداء في تلك الحوادث الصادرة عن قلة.
ويؤكد اللواء أسامة عبدالحميد، أن جهاز الشرطة شأنه كشأن إي فئة في المجتمع كالأطباء والمهندسين والمدرسين والمحاسبين ، فكما أن هناك طبيب يؤدي عمله بإخلاص وإتقان وتفانى في خدمة المرضى ، هناك الضابط الذي يؤدي عمله بإخلاص وتفاني بل يذهب إلى أبعد من ذلك، يقدم أغلى ما يملكه وهي روحه، في سبيل الحفاظ على أمن الوطن والمواطنين ، وكما أن هناك قلة لا يتجاوز حجمها 1% في الأطباء والمهندسين ، ترتكب مخالفة وجريمة، لا يمكن معها أن نوجه اتهامًا لفئة بأكملها، بل من يخطئ يحاسب ويعاقب وفقاً لأحكام القانون ، فإذا أخطأ الطبيب وتسبب في وفاة مريض ، سيحاسب كشخصه وليس وزارته بأكملها ، وكذلك إذا تسبب مهندس في انهيار عقار أسفر عنه سقوط ضحايا، سيحاسب، وهو ما يحدث بالفعل داخل جهاز الشرطة ، يتم على الفور معاقبة ومحاسبة المتجاوزين.
ويرى استاذ إدارة الأزمات في أكاديمية الشرطة، اللواء الدكتور شريف عبدالعظيم، بعد تزايد الحوادث الفردية خلال الفترة الأخيرة، أصبح هناك حاجة ماسة لإجراء تحديث على المنظومة الأمنية بأكملها لكي يتناسب مع الوضع والظرف الراهن، حتى لا نترك للبعض من المتربصين فرصة لنيل من جهاز الشرطة. ويُطالب استاذ إدارة الأزمات ، بإغلاق معهد أمناء الشرطة لمدة أربعة أعوام، والعمل خلال هذا الظرف الراهن على تأهيل أمناء الشرطة دراسيا وعلميا وإتاحة الفرصة له لاستكمال دراسات عليا وماجستير، مع تشديد الإجراءات المتعلقة بالتسليح الشخصي، وجعل حمل السلاح قاصر على الأمناء الذين يعملون في المحافظات التي تشهد مواجهات متطرفة كما هو الحال في شمال سيناء ، وسحب السلاح من العاملين في القطاعات الإدارية ، مع فصل الأمناء الذين عادوا إلى الخدمة في أعقاب ثورة 25 كانون الثاني/يناير ، بعد أن مارسوا ضغطا شديدا في ذلك الوقت لكي يعودوا إلى الخدمة ، وسرعة توقيع الجزاءات والعقوبات على المتجاوزين أو من يرتكب جريمة ، مضيفًا أن سرعة التحقيقات في واقعة الدرب الأحمر وإحالة المتورط فيها إلى الجنايات ، كان لها دورًا كبيرًا في تهدئة الأمور من جانب أهل المجني عليه.
وشدد مساعد وزير الداخلية السابق اللواء مصطفى بكر، أن ليس هناك أي مجال للتستر على أي واقعة تحدث من جانب أمناء الشرطة، فمن يرتكب جريمة سيحاسب ويعاقب، موضحًا أن وزارة الداخلية تُجري جولات تفتيشية مفاجئة على أقسام ومراكز الشرطة لتأكد من سير العمل بها وكيفية تعامل الضباط مع المواطنين، وفي حال اكتشاف مخالفة يتم التوقيف الجزاءات التأديبية فوراً وتصل في بعض الأمور إلى حد الفصل من الخدمة.
وتطالب استاذة علم النفس في جامعة القاهرة، سمية عامر، أن أمناء الشرطة في حاجة ماسة إلى تأهيل نفسي، ولاسيما الأمناء الذين يعملون في قطاعات من شأنها أن يحتكوا من خلالها مع المواطنين، على أن تعقد هذه الدورات بصفة دورية، ويتم تنظيمها في جميع المديريات، ويحاضر فيها أساتذة علم النفس والاجتماع. وتؤكد سمية عامر، أن جميع دول العالم في فرنسا وانجلترا والإمارات، يعد التأهيل النفس لرجال الشرطة شيء أساسي ومن ضمن المناهج الدراسية المقررة ، لذا نرى علاقة رجال الشرطة مع المواطنين في الإمارات في أزهى صورها.
ويشير استاذ علم الاجتماع في جامعة عين شمس، الدكتور شوقي مراد، أن منظومة الأمن شأنها كشأن منظومة التعليم، لم يطرأ عليها جديد طوال عقود ، فما كان يصلح في الماضي بالتأكيد لن يصلح في الحاضر ، وما كان يصلح في الحاضر ، بالتأكيد لن يصلح في المستقبل، نظرًا لسرعة تطور المجتمع ووسائل الاتصال، لذا يدعو استاذ علم الاجتماع في جامعة القاهرة، إلى تغير العقيدة السائد لدى بعض من المنتمين إلى المنظومة الأمنية ، وهي أن رجل الشرطة هو أعلى مكانةً في المجتمع، وما يطبق على غيره لن يطبق عليه ، مطالبًا بترشيح ثقافة أن ضابط الشرطة هم مواطن بالأساس ، وظيفته توفير الأمن والحماية للمواطنين ، الذي يتقاضى من ضرائبهم مرتباً له.
ويطالب استاذ علم الاجتماع في جامعة عين شمس، بضرورة عقد دورات تدريبية حول كيفية التعامل مع المواطنين، وتخفيف العمل الواقع على عاتق الداخلية وتوزيع الاختصاصات الموكلة لها، على باقي الوزارات، كأن يتم توزيع أعمال السجون على وزارة العدل ، والأعمال المتعلقة بالضرائب على وزارة المالية ، على أن تكون وظيفية الداخلية فقط هو تحقيق الأمن فقط ، وجعل القبول في المعاهد الأمنية قاصراً على شباب الجامعات ، وبالتالي سنساهم في حل مشكلة البطالة.