الرئيس عبد الفتاح السيسي

طوال 60 عامًا، شهدت مصر خلالها، ثورتين شعبيتين وخمسة أنظمة حاكمة، ظل مشروع "الضبعة النووي"، حلمًا يراود المصريين، ومع كل رئيس يتولى حكم البلاد، يعود معه حلم المصريين بتحقيق المشروع، ويبدأ بالفعل اتخاذ إجراءات على أرض الواقع، وسرعان ما يتوقف، إلا أن "حلم" المصريين أصبح أخيرًا "حقيقة" على أيدي الرئيس عبدالفتاح السيسي.

وترصد "مصر اليوم"، في السطور التالية، أهم المراحل التي مر بها المشروع طوال الـ 60 عامًا، وأهميته سياسيًا واقتصاديًا، وما إذا كان يشكل مخاوف مستقبلًا أم لا؟، وتستطلع آراء الخبراء والباحثين المختصين.

في البداية، تعود فكرة المشروع إلى عام 1955 عندما وقع الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، اتفاقية " الذرة من أجل السلام "، مع الاتحاد السوفيتي آنذاك، تناول الجانبان خلالها بحث سبُل دعم وتعزيز العلاقات في مجال النووي السلمي، إلا أن الظروف السياسية التي شهدتها مصر خلال هذه الفترة من وقوع العدوان الثلاثي عام 1956، مرورًا بأحداث 1967 حالت دون تحقيقه، ومع الانتصار الذي حققه المصريين في حرب أكتوبر 1973، عاد الحلم مجددًا وتم طرح مناقصة لإنشاء أول محطة لتوليد الكهرباء نوويًا، إلا أن هناك ضغوطًا مارستها الخارجية الأميركية على مصر  آنذاك حالت دون تحقيقه وفي عام 1980، أبرمت مصر اتفاقية مع الجانب الفرنسي لإنشاء محطة نووية لتوليد الطاقة الكهربائية، قدرتها 900 ألف كيلو وات إلا أن أحداث مفاعل تشيرنوبل، جعلت من الحلم ،كابوسًا، وتراجعت مصر عن تنفيذه، وبسبب ذالك تكبدت الحكومة المصرية خسائر فادحة وصلت إلى 250 مليار دولار.

وفي عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، عاد الحلم مرة أخرى، وأعلنت مصر عن اتجاهها لإنشاء محطة لتوليد الطاقة النووية خلال 8 أعوام، من خلال اتفاقية تعاون مع كوريا الجنوبية والصين، وبعد عامين من الإعلان تم إجهاض المشروع لضعف الإرادة السياسية، حيث أعلن وزير السياحة زهير جرانة آنذاك، تحويل منطقة الضبعة إلى منطقة سياحية .

وفي عام 2007، أعلنت الحكومة المصرية،  على لسان وزير الطاقة والكهرباء الدكتور حسن يونس، اختيار منطقة الضبعة لإنشاء أول محطة كهرباء تعمل بالطاقة النووية بناء على تكليف من الرئيس حسني مبارك ، إلا أن ثورة 25 يناير 2011 وما صاحبها من إسقاط نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك حالت دون تحقيق الحلم .

وبعد وصول جماعة " الأخوان المسلمين " إلى حكم البلاد، أجرى الرئيس المعزول محمد مرسي زيارة إلى موقع المشروع، وأعلن اتخاذ إجراءات فعلية لتحقيقه، إلا أنه توقف عقب ثورة 30 يونيه وما شهدته البلادد من إضطرابات على المستوى السياسي والأمن والاقتصادي .

بعد محاولات بائسة لإحيائه ..أصبح الحلم الذي راود المصريين طوال العقود الماضية، حقيقة وواقع، ستجني الأجيال المقبلة ثماره، بعد أن كلف الرئيس عبدالفتاح السيسي، أعضاء الحكومة، بإنهاء كافة الإجراءات القانونية والفنية، لإنشاء  محطات نووية في الضبعة، تأتي هذه التكليفات والتوجيهات على خلفية الاتفاقية الذي عقدها الرئيس السيسي مع شركة "روس أتوم" الروسية.

ووفرت محافظة مطروح  كافة الإحتياجات والإمكانيات التي تطلبها فريق الخبراء الروسي المعني بتنفيذ المشروع، ووفقًا للرسوم الجغرافية، تقع منطقة الضبعة، على شواطئ البحر المتوسط في محافظة مرسى مطروح، وتبعد عن الطريق الدولي مسافة 2 كيلو متر، وسيتم  بناء المشروع وفقًا لما أعلنته وزارة الكهرباء، في الكيلو 135 على طريق " مطرو—الإسكندرية " الساحي، وسينفذ على مساحة 45 كيلو مترًا وبعمق 5 كيلو مترات.

ويشمل المشروع، إنشاء برج الأرصاد لقياس درجات الحرارة  والرطوبة واتجاهات الرياح، وإنشاء مباني العاملين وأجهزة قياس المياه الجوفية والزلازل والتيارات البحرية وإمداد خطوط الغاز والمياه والكهرباء.

وتهدف مصر من خلال هذا المشروع، إلى تشغيل 4 مفاعلات نووية بقدرات إنتاجية تتراوح من 900 إلى 1650 ميجاوات للمحطة الواحدة، ووفقًا لما أعلنته الشركة المعنية بتنفيذ المشروع، سيتم تشغيل أول محطة من المحطات الأربعاء المزمع تنفيذها في منتصف عام 2019، على ان يتم الانتهاء من المشروع بشكل كامل بحلول عام 2025.

وأوضح خبير الطاقة النووية في الأمم المتحدة الدكتور عزيز لويس، أن مصر من أوائل الدول التي اتخذت أولى خطواتها في إنشاء محطة نووية لتوليد الكهرباء، وسبقت في ذالك عشرات الدول المتقدمة، فأول من فكر في هذا المشروع هو الرئيس الراحل جمال عبدالناصر في عام 1955، مبينًا أن التأخر في هذا الأمر كلف مصر الكثير ،وكان من الممكن ان يضعها في مصاف الدول المتقدمة، ونجني ثماره في الوقت الحاضر .

وتابع خبير الطاقة النووية دكتور عزيز، في تصريحات لـ "مصر اليوم "، أن مشروع الضبعة النووي سيحقق لمصر الكثير على المستوى الاقتصادي والسياسي، فاقتصاديًا، سيوفر على خزانة الدولة 13 مليار دولار، كانت تنفق سنويًا على شراء البترول،  فوفقًا لأخر دراسة أعدها الباحثون حول مشروع الضبعة النووي، كل محطة تتكون من وحدتين أو أربع محطات، وكل وحدة تنتج من (900-1600) ميجاوات، إي أن المحطة الواحدة في مشروع الضبعة ستنتج 4800 ميجاوات مما سيساهم كثيراُ في حل أزمة الطاقة التي تعاني منها، وبالتالي يمكن استغلال هذه الأموال التي كانت تنفق على شراء البترول في تطوير مرافق الدولة، والاهتمام بالتعليم والصناعة والصحة، وعلى المستوى السياسي، فإن الدول في الوقت الراهن التي لاتملك محطة نووية للاستخدام السلمي، ستظل رهنًا لحاجة الدول الأخرى، ويصبح قرارها نابعًا رغمًا عمها، وبالتالي فان مشروع الضبعة النووي، سيجعل مصر تحتل مكانتها اللائقة بين الدول، وستفرض نفسها على العالم أجمع، يتناسب مع الدور الحيوي الذي تقوم به خلال الوقت الراهن، وستكون أول دول في شمال أفريقيا تملك محطة نووية.

ويرى أستاذ الاقتصاد في الجامعة الأميركية في القاهرة الدكتور سامر عبيد، أن مشروع الضبعة النووي، سيساهم في إحداث طفرة هائلة في مجال الصناعة والزراعة والتعليم، كما أنه يضاف إلى قائمة المشروعات العملاقة ككقناة السويس القديمة والجديدة، ومشروع السد العالي، ومشروع توشكى، واستصلاح مليون فدان، والعاصمة الإدارية الجديدة.

ففي مجال الصناعة سيساهم في رفع جودة منتجات المصانع المصرية والتوسع فيها واستيعاب آلاف الشباب إلى سوق العمل، وفي مجال الزراعة، يمكن استغلاله  في تحلية مياه البحر الأحمر والمتوسط، واستخدام تلك المياه في زراعة ملايين الأفدنة في صحراء مصر الغربية ،كذالك يمكن استخدام هذه المياه في الشرب، كما انه سيفتح مجالات جديدة للعمل تستوعب عشرات الآلاف من الشباب .

ويرى أستاذ الهندسة الجغرافية في جامعة عين شمس، الدكتور حسن عثمان، أن اختيار منطقة الضبعة لإنشاء أول محطة نووية لتوليد الكهرباء في مصر، اختيار موفق، ونابع عن رؤية صائبة، من جانب الرئيس عبدالفتاح السيسي، مبينًا أن مركز البحوث التابع للقوات المسلحة، أجرى عشرات الدراسات والأبحاث حول المكان الملائم لإنشاء محطة نووية ، كانت الضبعة هي أكثر المناطق ملائمةً، لعدة أسباب، من بينها تعد منطقة الضبعة أقل المناطق التي يحتمل فيها حدوث زلازل أو براكين أو سيول، خلاف مناطق أخرى في مصر احتمال أن يصيبها زلزال أو سيول وارد جدا وبنسبة كبيرة، مبينًا أن إنشاء المحطات النووية في العالم يخضع لمجموعة من المعايير والضوابط، وهي ما تعرف بضوابط الأمان والسلامة، فمصر وهبها الله موقعًا جغرافيا ممتازًا خلاف مئات الدول، التي تخشى أن تخوض تلك الخطوة وتنشئ محطة نووية، لعدم وجود مكان مناسب لها .

واستبعد الدكتور عثمان، المخاطر التي يرددها البعض حول مشروع الضبعة النووي، مبينًا أن الحوادث التي شهدتها بعض الدول في الوقت الماضي بسبب تجاربها النووية يستحيل حدوثه في مصر، ففي الوقت الراهن العلم أصبح أكثر تطورًا، كما أن الشركة الروسية التي يعول عليها القيام بهذا المشروع، أنجزت من قبل عشرات التجارب الناجحة في مختلف دول العالم، وتتمتع بسمعة ممتازة جدا عالميًا .