القاهرة - محمود حساني
تزايدت أخبار حوادث الهجرة غير الشرعية ، خلال الفترة الأخيرة ، ويكاد لا تخلو صحيفة يومية من خبر أو أكثر عنها ، وأصبحت الهجرة غير الشرعية إلى دول أروبا هي الملاذ الأول والأخير أمام الشباب بعد انعدام فرص العمل وتدهور الأوضاع الاقتصادية ، ويرى خبراء معنيين بالشأن المصري ، أن الهجرة غير الشرعية ، أصبحت هي الفكرة المسيطرة على عقول شباب العرب ، لاسيما أبناء الدول ، التي تشهد إضطرابات أمنية وسياسية .
وتداولت الأخبار بشكل يومي, "قوات حرس الحدود تحبط هجرة غير شرعية إلى إيطاليا, إحباط هجرة غير شرعية لـ 23 شخصًا بينهم سودانيين في البحيرة, إحباط هجرة غير شرعية لـ 49 شخصًا من مختلف الجنسيات في الدقهلية, غرق قارب يقل على متنه مهاجريين غير شرعيين قبالة سواحل ليبيا ..الخ",
وإتفق الخبراء على أن هذا الأمر ينذر بالخطورة الشديدة، بعد أن تفاقمت، داعيين الحكومة إلى سرعة التحرك من أجل معالجة أسباب هذه الظاهرة ، وتوفير فرص عمل للشباب ، لقطع الطريق أمامهم ، وضرورة قيام منظمات المجتمع المدني بالتعاون والتنسيق مع الحكومة ، في دورها تجاه توعية المواطنين بمخاطر الهجرة غير الشرعية.
وفي سبيل مواجهة هذه الظاهرة، أسرعت الحكومة المصرية، إلى إصدار قانون مكافحة الهجرة غير الشرعية ، والذي ينص على إنشاء اللجنة الوطنية التنسيقية لمكافحة ومنع الهجرة غير الشرعية، كما نص على العقوبات الخاصة بجرائم الهجرة غير الشرعية ومنها أن يعاقب بالسجن أو الغرامة كل من ارتكب جريمة تهريب المهاجرين أو الشروع فيها أو توسط في ذلك. ويرى خبراء أن العقوبات الواردة في القانون، لن تحل هذه المشكلة ، حتى لو تم تعديل العقوبات الواردة من السجن المؤبد 25 عامًا إلى أقصى عقوبة وهي " الإعدام"، مؤكدين أن الهجرة غير الشرعية سيزيد الطلب عليها خلال الفترة المقبلة حتى مع علم ضحاياها بالمخاطر التي تحيط بها والمصير المجهول الذي ينتظرهم ، طالما لم يتم علاج أسبابها.
ومع خطورة هذا الأمر ، والنتائج المترتبة عليه ، لم يكن أمام " مصر اليوم " ، سوى أن تتناول خلال السطور التالية ، هذا الملف الشائك ، وتستعرض أراء الخبراء والمختصين في سبيل مواجهة هذا الظاهرة .
مصطفى عبدالقادر ، 23 عاماً ، من محافظة البحيرة ، أحد ضحايا الهجرة غير الشرعية ، يكشف إلى " مصر اليوم " ، تفاصيل سفره إلى إيطاليا ، قائلاً: "بعد تخرجي من كلية التجارة جامعة المنوفية ، وقعت أحداث ثورة 25 كانون الثاني/يناير ، وما صاحبها من تدهور في الأوضاع الاقتصادية ، وإغلاق عشرات الشركات والمصانع ، وتوقف قطاع السياحة ، فالم يجد أمامه سوى الهجرة إلى إيطاليا, ويستطرد: "تعرفت على أحد أصحاب المراكب ، ووعدني بتسهيل مهمة سفري إلى إيطاليا مقابل 7 آلاف جنيه ، وتم تسليم المبلغ له وحدد لي موعدًا للسفر, ويتابع : "تفاجأت عند وصولي إلى المكان المحدد لكي نستقل منه المركب إلى إيطاليا ، وأن هناك عشرات الشباب معي ، مبيناً أن المركب كانت عبارة عن مركب صيد متهالك من قطع خشب ومحرك فقط. ويواصل: بعد 17 ساعة قضيناها في البحر ووصلنا بالفعل إلى الساحل الإيطالي وعمنا في البحر، غير أن قوات خفر السواحل الإيطالية ، تمكنت من توقيفنا ، ورحلتنا إلى مصر مجدداً , ودعا الشباب إلى البقاء في مصر والبحث عن إي فرص عمل ، بدلاً من اللجوء إلى الهجرة إلى أروبا ، محذرًا الشباب من مخاطر المصير الذي واجهه هو وأقرانه أثناء سفره إلى إيطاليا".
لعل الظروف الاقتصادية هي السبب الأول والأخير ، وراء رغبة البعض إلى سلك الهجرة غير الشرعية ، على الرغم من المخاطر التي تحيط بها ، وقد تصل في النهاية إلى أن يفقد الإنسان أغلى ما يملكه ، وهي حياته ، وهو ما يؤكده استاذ علم الاجتماع في جامعة أسيوط ، الدكتور رأفت عدلي قائلاً : "تزايد الهجرة غير الشرعية في مصر خلال السنوات الـ 5 الأخيرة ، راجعة في الأساس إلى ، الأوضاع الاقتصادية التي شهدتها البلاد ، وتوقف المصانع والشركات ، والقطاع السياحي عن العمل ، والذي كان بدوره كان يستوعب الآلاف من الشباب ، وكذلك الاضطرابات الأمنية والسياسية التي شهدتها ليبيا ، والتي كانت بدورها تستوعب آلاف من العمالة المصرية ، سببًا أساسيًا في زيادة عدد حالات الهجرة غير الشرعية ، مبينًا أن الحل الأمثل لمواجهة هذه الظاهرة ، هو توفير فرص عمل للشباب ، أو منح إعانات مالية تمكنهم من مواجهة متطلبات الحياة لحين تحسن الأوضاع الاقتصادية .
ويتفق معه أستاذ الإقتصاد في جامعة القاهرة ، الدكتور ثروت يوسف ، أن ارتفاع نسبة البطالة خلال السنوات الأخيرة ، وانعدام فرص العمل ، أسباب رئيسية وراء تزايد حالات الهجرة في مصر ، مبيناً أن عدة حلول لمواجهة هذه الظاهرة ، أولها توفير فرص عمل للشباب ، والتوسع في إنشاء المشروعات ، وتشديد الحراسة على الحدود البرية والبحرية لمواجهتها ، وتنفيذ حملة قومية إعلامية لتوعية الشباب المصري ، بمخاطر الهجرة غير الشرعية ، وتوفير قاعدة معلوماتية عن أعداد المصريين المهاجريين بطرق غير شرعية وتزويد الجهات الرسمية في الدولة بها ، وتوسيع دائرة الاتفاقيات الثنائية والإقليمية بين مصر ودول الاتحاد الأوربي لتنظيم الهجرة الشرعية ، مع تغليظ العقوبات المقررة في قانون مكافحة الهجرة غير الشرعية .
بينما يرى عميد كلية الحقوق الأسبق وأستاذ القانون الجنائي ، الدكتور هشام رستم ، أن الحلول القانونية لن تمنع هذه الظاهرة ، طالما لم ندرس جيداً أسبابها ، حتى لو وصلت العقوبات المقررة على هذه الجريمة إلى عقوبة الإعدام ، ستظل المشكلة كما هي وستتزايد كلما زادت الأوضاع الاقتصادية سوءاً ، مبيناً أن حل هذه الظاهرة يتمثل في تحسين الظروف الاقتصادية وتوفير فرص عمل للشباب .