القاهرة- أكرم علي- فريدة السيد
أصدر الرئيس عبدالفتاح السيسي قرارًا جمهوريًّا بإعفاء رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات, المستشار هشام أحمد فؤاد جنينة, من منصبه اعتبارًا من مساء الاثنين, كما أصدر قرارًا جمهوريًا بتعيين هشام بدوي قائمًا بأعماله، كما قرر النائب العام، المستشار نبيل أحمد صادق، منع جنينة من السفر، على خلفية البلاغات التي تحقق النيابة العامة فيها.
ويأتي ذلك بعد أن أعلنت نيابة أمن الدولة العليا أن التصريح الصحافي لجنينة وزعم فيه اكتشاف وقائع فساد تجاوزت قيمتها 600 مليار جنيه خلال العام 2015 وحده يتسم بعدم الدقة، وأن الأرقام والبيانات التي قدمتها اللجنة المشكلة من الجهاز بشأن قيمة الفساد غير منضبطة، وتتضمن وقائع سابقة على العام 2012 وتكرارًا في قيمة الضرر.
وأدلى المستشار جنينة بتصريحات صحافية حول اكتشافه وقائع فساد خلال العام 2015 تجاوزت قيمتها 600 مليار جنيه، مما استدعى تشكيل لجنة تقصي حقائق بتكليف من الرئيس عبدالفتاح السيسي، وكشفت أن تصريحاته اتسمت بالتضليل والتضخيم وفقدان المصداقية والإغفال المتعمد وإساءة توظيف الأرقام والسياسات وإساءة استخدام كلمة الفساد، مؤكدة أن المحاسبة واجبة والمعرفة من حق الشعب.
وأوضحت اللجنة المشكلة من وزارات العدل والتخطيط والمال والداخلية، برئاسة رئيس هيئة الرقابة الإدارية، وعضوية نائب رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، أنها أجرت اتصالاً بالمستشار جنينة في 27 كانون الأول/ديسمبر الماضي، للاستفسار عن حقيقة ذلك التصريح، وأفاد بأنه أعد دراسة بواسطة لجنة فنية شكلها من بعض العاملين بالجهاز، انتهت إلى صحة ذلك الرقم وأنه يتضمن الفترة من العام 2012 وحتى 2015، وأرسل نسخة من الدراسة إلى اللجنة، بعنوان "دراسة عن تحليل تكاليف الفساد بالتطبيق على بعض القطاعات في مصر"، من دون الإشارة إلى المدى الزمني للدراسة.
وقالت اللجنة إنه في ضوء هذه المدخلات وبالاستعانة بعدد من الأساتذة والخبراء في علوم المحاسبة والاقتصاد والإحصاء، والذين انضم إليهم عدد من الأعضاء من داخل الجهاز المركزي للمحاسبات، مارست اللجنة عملها على مدار 14 يومًا، وانتهت من تقريرها الذي بات ملكًا للرأي العام الذي يطلب استجلاء الحقيقة وإزالة أي لبس أو غموض شاب تلك التصريحات.
وأشار إلى التضليل والتضخيم حجم وقيمة ما سمي بالفساد، بتكوين وتجميع بعض الأرقام أكثر من مرة وتحت مسميات عدة في أكثر من موضع، وامتدادًا لأسلوب التضليل والتضخيم تم احتساب مبلغ 174 مليار جنيه تمثل تعديات في مدينة السادات كأموال مهدرة على الدولة، على الرغم من إثبات إزالة أجهزة الدولة لتلك التعديات بالكامل العام 2015، وكذلك فقدان المصداقية حينما يتم ترتيب وتجميع مفتعل لوقائع حدثت منذ عشرات الأعوام وإثبات استمرارها من دون تصويب كذريعة لإدراجها المغرض ضمن العام 2015.
ولفت إلى إساءة توظيف الأرقام والسياسات، وأن اعتبار تأخر سداد مديونيات الشركاء الأجانب بقطاع البترول وجدولتها فسادًا، يتمثل في قيمة فواتير الجدولة، نظرًا لغياب أو تغييب الحس الاقتصادي لأوضاع البلاد الاقتصادية، وما تعرضت له هذه الشركات من خسائر نتيجة الأحداث السياسية ودعاوى التحكيم، وأشار إلى إدراج مبلغ 134.64 مليار جنيه لعدم التزام هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة منذ إنشائها العام 1979 بتخصيص مساحة 5 كم حول كل مدينة كأراضي بناء، مما عطل الاستفادة بقيمة تلك المساحات من دون مراعاة أن تلك التقارير غير الدقيقة والتصريحات غير المسؤولة يمكن أن تستخدمها المنظمات الدولية في ترتيب وتصنيف الدول.
وأكد التقرير إساءة استخدام كلمة الفساد، ووضعها في مواضع أبعد ما تكون عما أقرته القوانين والمواثيق الوطنية والدولية والتعميم، والخلط بين الوقائع والإجراءات، وبين ما تم حسمه وما لم يتم حسمه، وبين ما هو عام وما هو خاص، الأمر الذي يصور كل الجهود والمبادرات التي تبذلها الدولة على أنه لا طائل من ورائها، وتساءلت اللجنة عن أهداف وجدوى إطلاق ذلك التصريح، علمًا بأن الدراسة معدة بالاشتراك مع جهات أجنبية، ما قد يضر بالمناخ السياسي والاقتصادي للدولة، في الوقت الذي تسعى فيه بكل السبل لجذب الاستثمارات لتوفير فرص عمل وحياة كريمة لمواطنيها.
وأشارت إلى أنها تلقت أثناء عملها الكثير من المراسلات والشكاوى من داخل الجهاز المركزي للمحاسبات، حول سياسات ومقترحات تتعلق بغياب العدالة وعدم الشفافية، موضحة أنها تبدي خالص التقدير والاحترام لكامل قيادات وأعضاء الجهاز، وأكدت أن الرئيس السيسي وافق على إرسال تقرير تقرير اللجنة لرئيس مجلس النواب، وتكليف اللجنة الوطنية لمكافحة الفساد برئاسة رئيس الوزراء، بمراجعة كل البنود التي شملتها الدراسة محل الفحص تفصيلاً، والتأكد من اتخاذ الإجراءات القانونية في كل واقعة.
وأصدر الرئيس السيسي، الاثنين، قرارًا جمهوريًا بتعيين هشام بدوي قائمًا بأعمال رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات خلفًا لنينة، وبدأ بدوي رحلة عمله في النيابة العامة، وظل يتدرج في المناصب إلى أن شغل منصب رئيس محكمة استئناف القاهرة، ومعروف عنه الحسم والحزم في اتخاذ القرارات, ومتخصص في قضايا التطرف والتجسس وإهدار المال العام، وإبان حكم الرئيس الأسبق محمد مرسي استبعد عن الجهاز، حتى أصدر الرئيس السيسي قرارًا بتعيينه نائبًا للمستشار هشام جنينة، رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات.
وشغل بدوي منصب المحامي العام الأول لنيابات أمن الدولة الأسبق، والتحق بنيابة أمن الدولة العليا بعد قبوله في النيابة العامة، وتدرّج في الدرجات القضائية بالنيابة حتى شغل منصب المحام العام لنيابات أمن الدولة العليا، وفي العام 2005 تولى منصب المحام العام الأول للنيابة، وعين رئيسًا لمحكمة استئناف القاهرة، وحقق في قضية شركة "سلسبيل" العام 1992 المتهم فيها محمد خيرت الشاطر وحسن مالك جمعة أمين ومحمود عزت، بعدما تبين سعيهم لإعادة خطة جماعة الإخوان المسلمين التي عرفت وقتها بخطة "التمكين".
كما أشرف على تحقيقات أخطر القضايا المتعلقة بالحركات المتطرفة وقت عمله وكيلاً ورئيساً في النيابة، من بينها قضية خلية حزب الله العام 2009، إضافة إلى عدد من قضايا الجماعات المتطرفة، وقضية عبدة الشيطان، وقضايا التجسس بعد الثورة، وقضية ضابط الموساد الإسرائيلي إليان المعروفة إعلامياً بـ"جاسوس الاتصالات"، والجاسوس الأردني بشار أبوزيد، المتهم بالتجسس لصالح الموساد في القضية رقم 146 للعام 2011.
وعقب ثورة 25 يناير تولى مسؤولية التحقيق في قضايا نظام مبارك المتعلقة بإهدار المال العام والاستيلاء عليه، ومنها إحالة كل من سامح فهمي وزير البترول السابق، للمحاكمة الجنائية في صفقات بيع وتصدير الغاز لإسرائيل و6 دول أوروبية أخرى بأسعار مخالفة للقانون، ورجل الأعمال أحمد عز في قضية غسيل أموال وشركة الدخيلة، ويوسف والي وزير الزراعة الأسبق نائب رئيس الوزراء، في ببيع 100 ألف فدان للأمير السعودي الوليد بن طلال بثمن بخس.
وأفاد بيان نيابة أمن الدولة العليا بأن تصريحات جنينة بشأن 600 مليار جنيه تكلفة الفساد في مصر خلال العام 2015 غير منضبطة، وأن الجهاز المركزي للمحاسبات غير معني بتحديد الفساد, وبيّنت النيابة استمرار التحقيقات التي تجريها في واقعة تصريحات رئيس الجهاز المركزي المقال.