القاهرة - أحمد عبد الفتاح
توجه الرئيس عبدالفتاح السيسي بالتهنئة لشعب مصر ولكل الشعوب العربية والإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها ودعاهم جميعا إلى التكاتف والاصطفاف ونبذ الفرقة والتعصب لتذليل الخلافات والصعاب، وأن يكونوا دائمًا ممتثلين لأمر الله عز وجل رحماء بينهم.
وأضاف أنَّ شهر رمضان المعظم يوشك أن يودعنا بما حواه من خير وبركة وبما أشاعه في نفوسنا من روحانيات افتقدناها ورحمات كنا في أمس الحاجة إليها ونحتفل اليوم معا بليلة القدر، الليلة التي قدر الله سبحانه وتعالى أنَّها خير من ألف شهر، اصطفاها المولى الكريم، فأنزل فيها القرآن المجيد هدى للناس ورحمة للعالمين، فأسعد به نفوسا حزينة، وهدى به عقولا ضالة، وأقر به عيونا حائرة، وختم به رسالات السماء إلى الأرض، وأتم به نعمته على جميع خلقه، نتوجه إليه سبحانه وتعالى بالدعاء أن يكتب لوطننا ولأمتنا العربية والإسلامية كل الخير والرخاء في هذه الليلة المباركة، وأن ينعم علينا جميعا بالأمن والرخاء.
كما رحب بضيوف مصر، مضيفًا: مصر وطنكم الثاني، ستظل قلوب أبنائها قبل أبوابها مفتوحة لكم، وأياديهم ممدودة إليكم، تدعوكم إلى التسامح والتراحم، إلى العمل والتعاون من أجل نصرة هذا الدين، وإحالة تعاليمه السمحة التي استقيناها من الذكر الحكيم، وهدى نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم، إلى دستور حياة ومنهج عمل، نبتغى من ورائه مرضاة الله، ونصرة ديننا الحنيف ورفعة أمتنا العربية والإسلامية.
ووجه تحية تقدير إلى علماء ورجالات الأزهر الشريف، مضيفًا: أستنهض هممكم، أقول لكم، حان الوقت لمضاعفة الجهد للذود عن الإسلام، وتصويب صورته التي باتت مرتبطة في أذهان الكثيرين بالعنف والتطرف، متابعًا: مسؤولية تصويب الخطاب الديني تقع على عاتقكم في المقام الأول، فأعيدوه إلى طريق الصواب، أظهروا صورة الإسلام الحقيقية "فالدين المعاملة"، انشروا قيم السلام والمحبة ودفع السيئة بالحسنة وقبول الآخر، اعلموا الجميع أنَّ الله خلقنا شعوبا وقبائل لنتعارف، فنتعاون لصالح الخير وعمارة الأرض التي استخلفنا الله فيها.
وتابع السيسي في كلمته "عندما تحدثت منذ ما يناهز العام عن ثورة دينية لم يكن هدفي من ورائها اتخاذ أي إجراءات عنيفة، وإنما كنت أعني ثورة فكرية تتناسب مع العصر، وتتماشى مع مراد الله من خلق البشر الذين كفل لهم سبحانه وتعالى حرية الإيمان والعبادة، ومن ثم فإنه لا يمكن لأي طرف أن يدعي أنه يمتلك الحقيقة المطلقة وأن ينصب من نفسه حكمًا على مدى صحة أو خطأ مناهج الآخرين، إن الله سبحانه وتعالى كان قادرًا على خلق الناس على قلب رجل واحد ولكن اقتضت حكمته التعدد والتنوع، ومن ثم فإن من يتصدى لتفنيد الأفكار المغلوطة التي يحاول البعض الترويج لها، لا يدافع فقط عن الدين وإنما أيضًا عن فلسفة خلق الله للبشر على هذا النحو".
وأكد السيسي أنَّ ما يشهده عالم اليوم من غلو وتشدد باِسم الدين ساهم بشكل مباشر في إلحاد عدد من الشباب الذين لم يتمكنوا من تحمل حجم الفتنة والإساءة لهذا الدين، إلا أن هذا الأمر سينتهي بمواجهة جادة وتكاتف مستمر ودور فعال للأزهر الشريف والكنيسة المصرية لتوعية الشباب بحقيقة الأمور ونشر قيم التسامح والمحبة بين الناس.
ولفت إلي أنَّ راية الحق لا يمكن رفعها بالقتل والتدمير وإنما بالدفاع عن الوطن والدين وحماية أرواح وأعراض وأموال المواطنين والذود عنها، وهو ما يقوم به رجال القوات المسلحة والشرطة في سيناء الذين جادوا بأرواحهم دفاعًا عن الوطن واستشهدوا في سبيل الحق، مشيرًا إلى أنَّ حجم المواجهة والتصدي للأفكار العنيفة والمغلوطة لم يكن كافيًا وتتعين مضاعفته بما يتناسب مع حجم التحديات والمخاطر التي نواجهها ويجب أن يكون هدفنا الأساسي هو الحفاظ على كيان الدولة المصرية ومؤسساتها والحيلولة دون سقوطها في دوامة العنف والتطرف فالدول التي سقطت فيها لم ولن تعود قبل مرور سنوات طويلة، فلنتوجه جميعًا بالدعاء لمصر بنصرة الحق وأن يحفظ الله عز وجل عليها أمنها واستقرارها.
واستطرد الرئيس "لقد تعرض وطننا الحبيب لهجمات متطرفة آثمة لم تراع حرمة الشهر الفضيل، بل جاءت كدليل قاطع على أنَّ التطرف لا دين ولا وطن له، فأما أبناء مصر الأبرار الذين جادوا بأرواحهم من أجل أن يحيا الوطن فهم أحياء عند ربهم يرزقون، وأما من روعوا الآمنين واستحلوا حرمة شهر رمضان الكريم فسيلقون أشد العقاب، وستستمر القوات المسلحة وجهاز الشرطة برجالهما البواسل الأوفياء في أداء واجبهم من أجل إقرار الأمن والنظام، وتوفير حياة آمنة مستقرة لأبناء هذا الوطن تساهم في تنفيذ عملية التنمية الشاملة المنشودة، وتؤكد الحوادث المتطرفة الغاشمة التي تُرتكب في مختلف دول العالم، على الحاجة لتكاتف الجهود الدولية وتكثيف التعاون، من أجل دحر التطرف والقضاء عليه".
وأضاف أنَّ هذه الليلة المباركة تمر علينا وعالمنا العربي بات مهددا، ويواجه أخطارا تستهدف وجوده وسلامته الإقليمية ووحدة شعوبه، وإذا لم نتكاتف اليوم لدرء هذا الخطر، فمتى سيكون ذلك، مضيفًا: لنطرح خلافاتنا جانبًا، من يفكر اليوم في مصلحة فئوية ضيقة، لجماعة أو عرق أو مذهب أو طائفة، إنما يساهم إسهاما مباشرا في إضاعة الأوطان والنيل من مقدراتها، ولن يغفر له الله كما سيسجل التاريخ أنه كان سببا مباشرا في تفريق أمة، أراد لها الله سبحانه وتعالى أن تعتصم بحبله ولا تتفرق، وأن تكون خير أمة أخرجت للناس.
وكشف الرئيس السيسي عن أنَّ المرحلة المقبلة ستشهد البدء في حصاد أولى ثمار الجهد والعمل الدءوب المتواصل، إذ سيتم في السادس من آب/ أغسطس المقبل افتتاح مشروع قناة السويس الجديدة، التي ستقدم للعالم شريانا إضافيا للرخاء، وتساهم في تعزيز حركة التجارة الدولية، بما يوثق أواصر التواصل بين الحضارات والشعوب، وتوفير فرص العمل وتشغيل الشباب.
ووجه كلمته للشعب المصري "أعينوني بقوة، لنواصل بناء مستقبل هذا الوطن، ولنتخذ من هذا الشهر الكريم، الذي تُفتح فيه أبواب الرحمة نقطة بداية، نعاهد الله فيها على العمل الجاد والتفاني من أجل الوطن، وأريدكم أن تتفاءلوا دوما بالخير لتجدوه، حيث ستشهد المرحلة المقبلة الإعلان عن المزيد من تدشين الكثير من المشاريع القومية الكبرى، التي ستساهم في بناء وطننا وتأمين مستقبل أبنائنا، ليجدوا عيشا كريما وحياة طيبة، أدعوكم في هذه الليلة المباركة أن نجعل من العمل الصالح هدفا أسمى نسعى جميعا لتحقيقه، راجين رحمة الله وخير الثواب في الدنيا والآخرة".
جاء ذلك خلال الاحتفال الذي نظمته وزارة "الأوقاف" بمناسبة ذكرى ليلة القدر، في قاعة الأزهر للمؤتمرات، حيث كان في استقبال الرئيس لدى وصوله شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، ورئيس مجلس الوزراء المهندس إبراهيم محلب، ووزير "الأوقاف" الدكتور محمد مختار جمعة، ومفتي الجمهورية الدكتور شوقي علام.
وألقى شيخ الأزهر ووزير الأوقاف كلمتين بمناسبة الاحتفال بليلة القدر. ووزع السيسي الجوائز على الفائزين في المسابقة العالمية الثانية والعشرين لحفظ القرآن الكريم، والفائزين في المسابقة المحلية ومسابقة الحفظة من ذوي الاحتياجات الخاصة.