القاهرة - محمود حساني
"يرغبون في الثراء السريع دون جهد وعرق ، يتحالفون مع الشيطان في سبيل تحقيق مطامعهم وأهدافهم ، يلجؤون إلى الحيل والخداع في استقطاب ضحاياهم ، ويتمتعون بقدرات فائقة في إقناعهم ومن ثم الحصول على أموالهم مع وعد بردها لهم أضعاف مضاعفة ، ويتخيل لهم الشيطان أنهم أخيرًا نجحوا في تحقيق حلم الثراء الذي راودهم ، حتى يستيقظوا أمام القضاء ليعلن كلمته".
" مصر اليوم " ، ترصد في هذا التحقيق ، أشهر الأباطرة في عالم توظيف الأموال ، وتستعرض مع خبراء علم الاجتماع والاقتصاد والقانون أسباب الظاهرة وسبُل مواجهتها.
يعد "أحمد توفيق عبدالفتاح الجبري" ، الشهير بـ " أحمد الريان " ، أستاذ الجيل الحالي من أباطرة توظيف الأموال، وتعود قصته إلى بداية الثمانينيات ، عندما أوهم أبناء الحي الذي يعيش فيه في وسط القاهرة ، قدرته على استثمار أموالهم مقابل فوائد دورية ، ونجح بالفعل في استقطاب المئات خلال أعوام، حتى ذاع صيته مع بداية التسعينيات ،وأسس أكبر شركة لتوظيف الأموال ، ووضع الكثير من المصريين أموالهم في هذه الشركة مقابل عوائد شهرية تتراوح مبين " 24 % و100 %" شهريًا ، ويرى خبراء الاقتصاد خلال هذه الفترة ، أن القطاع المصرفي شهد عزوفًا تامًا من المواطنين ، وأصبحت شركة الريان تحل محل البنوك ، حتى بلغ عدد المودعين نحو 175 ألف مودع ، بإجمالي رؤوس أموال بلغت 2.2 مليار جنيه .
" ليس كل ما يتمناه المرء يدركه " ، وتعرضت شركات الريان لخسائر فادحة ، وعجز معها عن الوفاء بالتزاماته تجاه المودعين ، وزادت معها عدد البلاغات المقدمة ضده أمام المدعي العام ، حتى قال القضاء كلمته وحكم عليه بالسجن لمدة 23 عامًا ، وخرج عام 2009 بعد انتهاء مدة عقوبته ، ليعلن بعدها ندمه وحسرته على ضياع سنوات عمره خلف القبضان ، ناصحًا الشباب بالعمل والسعي بدلًا من اللجوء للطرق غير المشروعة لتحقيق الثراء ، وبعد عامين من خروجه من السجن ، خرج من الدنيا ، بعد صراع مع المرض ، تاركًا ورائه درسًا لغيره.
أما ثاني الأباطرة فهو "محمد أشرف السيد على السعد " ، الشهير بـ " أشرف السعد " ، واحد من أشهر أباطرة توظيف الأموال في فترة التسعينيات ، إلا أنه كغيره انتهى حلم الثراء السريع ، بفرض الحكومة حراسة على ممتلكاته لمدة 15 عامًا ، بدأ حياته في تجارة العمل وأسس شركة " السعد" لتوظيف الأموال في فبراير 1991 ورفعت عليه عدة قضايا بتهمة النصب ولكنه هرب وسافر الي باريس عام 1991 بحجة العلاج وبعد هروبه بثلاثة أشهر صدر قرار بوضع اسمه علي قوائم الممنوعين من السفر ،وحكم عليه بالسجن لمدة عامين بتهمة اصدار شيك بدون رصيد. في يناير 1993، عاد السعد فجأة حيث تمت إحالته الي محكمة الجنايات لعدم اعادته 188 مليون جنيه للمودعين بالإضافة الي 8 اتهامات أخرى، وفي نهاية ديسمبر 1993، أخلي سبيله بكفالة 50 الف جنيهًا وتشكيل لجنة لفحص اعماله المالية، غير أنه سافر مرة أخرى للعلاج في باريس في 4 يونيو، 1995، وقد صدر حكم بإنهاء الحراسة وإعادة ما تبقى من ممتلكاته عام 2009.
وتعد "هدى عبد المنعم" ، واحدة من الشخصيات التي سجلت اسمًا بارزًا في عالم توظيف الأموال ، حتى لقبت بـ "المرأة الحديدية" أسست شركة هيدكو مصر للإنشاءات والمقاولات عام 1986 ، ومن خلال حملة صحافية ضخمة تسابق المصريون في حجز دورهم في مشروعات المرأة الحديدية والتي تمكنت بالفعل من جمع 45 مليون جنيهًا وطلبت من المسؤولين وقتها شراء مساحات كبيرة من الأرض قرب المطار ووافق المسؤولون علي الرغم من حظر البناء في تلك المنطقة ودفعت 30% من قيمة الأرض وانشأت عددًا محدودًا من المباني وبعد حملة صحافية لكشف قضية البناء في مناطق محظورة وطالبت بإزالة المباني بدأ الحاجزون في تقديم بلاغات للسلطات ولتهدئة الموقف وقعت هدي عبد المنعم العديد من الشيكات بدون رصيد وعندما اصدر المدعي العام قرارًا بمنعها عن السفر بعد أن وصلت مديونيتها الي 30 مليون جنيه وفرض الحراسة علي أموالها ومحاكمتها فوجئ الجميع بهروبها الي الخارج في ظروف غامضة .
وأشار التحقيق إلى رجل الأعمال أحمد مصطفى إبراهيم ، الشهير بـ " المستريح " ، و أحد أشهر أباطرة توظيف الأموال خلال الفترة الراهنة ، بدأت قصته في مطلع عام 2011 ، وأوهم عشرات المواطنين من أهالي الصعيد ، قدرته على توظيف أموالهم مقابل الحصول على نسبة من الأرباح تصل لـ11 % ، واستمر " المستريح" في نشاطه حتى بلغ ذروته في عام 2013 ، إلا أن " المستريح " كغيره من أباطرة توظيف الأموال ، واجه عدة صعوبات دفعته إلى الامتناع عن سداد الأرباح ، ومع مماطلته في السداد ، تقدم ضحاياه بعشرات البلاغات إلى النائب العام يتهمونه بالنصب .
وكشفت تحقيقات النيابة مع المتهم، أنه بدأ نشاطه فى جمع أموال المواطنين بزعم توظيفها بداية عام 2011، وكان يمنح مودعي الأموال لديه النسبة المتفق عليها من الأرباح 11%، إلا أنه توقف عن سداد تلك الأرباح اعتبارا من عام 2015، الأمر الذى دفع المواطنين للتقدم ببلاغات ضده تتهمه بالنصب.
وأوضحت التحقيقات ، قيام المتهم بتلقي 53 مليونًا و843 ألفًا و500 جنيه من 311 مواطنًا، بزعم توظيفها واستثمارها فى مجال تجارة بطاقات شحن التليفونات المحمولة، والاستثمار العقاري، وأوهم ضحاياه بمنحهم أرباحًا شهرية تصل نسبتها إلى 11% من رأس المال، بعد توظيفها من المشاريع الاستثمارية التى يمتلكها ، وبعد عامين قالت محكمة جنايات كلمتها وقضت بسجن رجل الأعمال أحمد مصطفى إبراهيم، الشهير بـ"المستريح" 15 عامًا وتغريمه 150 مليونًا وإلزامه رد 166 مليونًا للمدعين الوارد أسمائهم في الدعوى.
وأكد استاذ علم الاجتماع في جامعة عين شمس ، الدكتور هشام توفيق لـ " مصر اليوم ، أن " المستريح " ، لن يكون أخر أباطرة توظيف الأموال ، ومازال هناك العشرات إن لم يكن المئات يمارسون نشاطهم في القرى والأحياء التي يعاني أهلها من ضعف الثقافة ، مشيراً أن الرغبة التي تنتاب البعض في تحقيق ثروات غير مشروعة بصورة سريعة هي الدافع الأساسي وراء ذالك ، مستغلين الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تحيط بضحاياهم ، وهو ما حدث بالفعل مع ضحايا " المستريح " ، التي كان أغلبهم من أبناء محافظات الصعيد .
وأضاف الدكتور هشام توفيق ، يقع على عاتق الدولة لحل الظواهر السلبية التي طرأت على المجتمع خلال السنوات الأخيرة ، وزادت حدتها خلال الفترة الأخيرة ، الاهتمام بالتعليم أولاً حتى يخرج جيلاً قادراً على التعامل مع المتغيرات ، ويصعب استغلاله من جانب البعض في تحقيق أهدافهم .
وتابع " توفيق " ، في فترة الثمانينيات التي شهدت بزوغ " الريان " –أشهر الأباطرة في عالم توظيف الأموال- استغل بعض الفتاوى الدينية في استقطاب ضحاياه ، مبينًا أن هناك فتاوي تبيح التعامل مع شركات توظيف الأموال ، وتُحرم إيداع الأموال لدى البنوك ، وهو ما ساهم في عزوف المواطنين خلال فترة الثمانينيات عن الجهاز المصرف ، والاتجاه إلى شركات " الريان ".
ودعا توفيق، مؤسسة الأزهر إلى مواجهة مثل تلك الفتاوى التي تصدر من بعض المنتسبين لها ، وتجد رواجًا كبيرًا لدى عامة البسطاء ، مما يجعلهم فريسةً في أيدي النصابين كالريان والمستريح وغيرهم.
في السياق، طالب أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة ،دكتور رمضان تيسير ، بنشر الثقافة المصرفية لدى لمواجهة ظاهرة توظيف الأموال ، وتوعية المواطنين ، لاسيما البسطاء منهم ، بأهمية إيداع أموالهم لدى البنوك .
وأشار دكتور رمضان تيسير ، إلى أن الألاف من المصريين يعملون في دول الخليج ، ويقضون عشرات السنوات ، ثم يعودون إلى بلدهم ، ويكون شاغله الأول هو كيفية الحفاظ على تلك الأموال التي جمعها في غربته ، ومع ضعف ثقافته المصرفية ، يجد في شركات توظيف الأموال ، غايته ، فيجد نفسه في نهاية المطاف أنه تعرض للنصب والسرقة ، كما هو الحال مع ضحايا " المستريح " .
بينما يطالب رئيس محكمة جنايات القاهرة السابق ، المستشار شوقي عبدالعزيز ، ضرورة إجراء تعديلات جوهرية على مواد قانون العقوبات والإجراءات الجنائية ، لسرعة الفصل فيها مع تشديد العقوبات المتعلقة بجرائم تأسيس شركات توظيف الأموال دون ترخيص ، وجرائن النصب والتدليس ، للقضاء على هذه الظاهرة التي زادت بشكل ملحوظ خلال الفترة الأخيرة .