القاهرة ـ مصر اليوم
فى أقصى مكان بالقاعة، خلف المقاعد الخشبية المتراصة بإتقان، وعلى مقربة من نافذة صغيرة زجاجها يقاوم السقوط، وقفت الزوجة العشرينية ذات الجسد النحيل والوجه المشرب بصفرة التعب والإجهاد تعلق ناظريها بالحاجب العجوز وتتبع حركاته ونداءاته، خشية أن تفوتها جلسة نظر دعوى الطلاق للضرر التى أقامتها ضد زوجها بسبب ضربه وإهانته لها، كانت الزوجة الشابة ترتدى ملابس مرتبكة كهيئتها، وتطوق رأسها بحجاب حريرى أظهر ماعلق بقسمات وجهها من آثار للضرب وتتحايل على البريق الذى هجر عيناها من شدة الحزن والبكاء بخطوط سوداء عريضة.
تقول الزوجة الشابة فى بداية روايتها لـ"مصر اليوم": "تعرضت لخديعة كبرى لم اكتشف تفاصيلها إلا بعد إتمام مراسم الزفاف، فعندما تقدم زوجى لخطبتى أوهمنى أنا وأهلى وكذلك الوسيط فى تلك الزيجة البائسة بأنه يعمل محاسب ورزقه وفير، وأن والده غادر الحياة منذ سنوات طويلة ولا يتذكر حتى ملامحه، ووالدته ذات الأصول العريقة هى من تولت تربيته ورعايته هو وشقيقه حتى وصلا إلى ما وصلا إليه، وهو فى الحقيقة ليس سوى مجرد فرد أمن بالقرية الذكية ووالده الذى أدعى رحيله مازال حيا يرزق وكان رجلا بسيطا، وبعد اتهامه فى جريمة قتل انفصلت أمه عنه وأرغمته هو وأخيه على مقاطعته واعتباره ميتا".
تنتزع الزوجة الشابة من شفتيها الجافة ابتسامة باهتة تدارى بها قلة حيلتها وضعفها وهى تقول: "لم يكن وقتها أمامى خيار إلا الصبر فلم يمر على زواجى سوى أشهر قليلة، فكيف لى أن أطلب الطلاق؟، فلن ترحمنى ألسنة الناس وحتى وإن لم يتحدثوا بأفواههم فتكفى نظراتهم الشامتة ومصمصة شفاهم على حالى، وياليتنى ما استسلمت لخوفى من العباد، وغادرت تلك الحياة التعيسة والزائفة بلا عودة، على الأقل كنت سأرحم من البقاء إلى جوار رجل تمسك أمه المتجبرة والكارهة للحياة والحب والاستقرار بزمام أمره وتعبث بتلابيب عقله، كانت تحركه كالدمية وهو يفعل ما تأمره به دون تفكير ولا معارضة، اضربها فيضربنى حتى أسقط مغشى على وتختفى ملامح وجهى من الزرقة ثم يهرع مسرعا صوب الهاتف ليسرد لها مافعل بى وينتظر أن تكافئه فى نهاية حديثهما: "برافو ياحبيبى أنت كده راجل".
ترتكن الزوجة الشابة برأسها المثقل بالهموم إلى جدار يقاوم السقوط مثلها وهى تنهى روايتها: "ولينول رضاها أكثر وأكثر، وتتأكد من أدائه للمهامه على أكمل وجه، بات يسجل لها كل حفلات تعذيبه لى صوت وصورة، كى تطرب بصرخاتى وتوسلاتى له برحمتى والكف عن إيذائي، وأحيانا كان يمسك بى ويجبرنى على إسماعها صوت بكائى من شدة الألم فى الهاتف، لا أعرف إلى أى نوع من البشر تنتمى هذه المرأة؟، ألم يكفيها أنها دمرت حياة ابنها البكرى وفرقت بينه وبين زوجته؟، لكن يبدو أنها كانت ترغب أن تحول كل من حولها إلى مجموعة من الفشلة حتى لا تشعر بأنها الوحيدة التى انتهت حياتها الزوجية نهاية مأساوية على يد رجل حارب أهلها من أجلها فخذلها فى نهاية المطاف، وأظن أنها نجحت فى الوصول إلى مبتغاها، وأرغمتنى بتحريضها الدائم لابنها المضطرب ضدى أن أطرق أبواب محكمة الأسرة بزنانيرى طالبة تطليقى منه للضرر".